الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 23 نوفمبر 2009

غياب الحسّ النقديّ


(كتبت هذه المقالة خلال الحرب على غزّة)
بعد أن بدأت الحرب على غزّة نسي الناس حذاء الصحافيّ العراقيّ، ومالت بوصلة كتاباتنا إلى جهة الندب والنواح والرثاء بعدما كانت متوّجهة في ثقة إلى جهة الفخر والاعتزاز والشماتة. وأنا حين كتبتُ عن تاريخ الأحذية في ذاكرتي تساءلت عن الحدث الذي سينزل "صرماية" الصحافيّ "منتظر" عن رف الإعلام وتمنّيت أن يكون ذلك حريّة حقيقيّة، فإذا بمأساة غزّة هي الحدث، ولكنّ السؤال الآن ماذا بعد الكتابة عن غزّة؟
علينا أن نقوم بمراجعة فعليّة لما نكتبه في الصحف، وإذا فعلنا فسنكتشف أنّ المقالات تأخذ غالبًا أحد المنحيين: إمّا هي جمع للمعلومات من هنا وهنالك تختصر لك عشرات الدراسات، وشبكة الإنترنت صارت نبعًا فوّارًا يشرب الجميع من مائه ولا يرتوون، وإمّا تكون المقالات نتيجة انفعال يأتي تلقائيًّا بعد الحدث ولا يسبقه. أمّا ما هو عدد المقالات التي أحدثت تغييرًا أو تأثيرًا أو صنعت الحدث فسؤال نخشى كلّنا أن نعرف جوابه.
إنّ غياب الحسّ النقديّ هو الإعاقة التي يعاني منها مجتمعنا العربيّ. فنحن نخشى الأسئلة لأنّنا نخشى الأجوبة، ولذلك نميل إلى الخبث والكذب في البيت والمدرسة والعمل والسياسة وفي كلّ شأن من شؤون حياتنا. العواطف تحكم أقوالنا وتتحكّم بأفعالنا، فننفعل ولا نفعل. نصرخ لأنّنا نخاف إن سكتنا أن نضطر إلى التفكير، وهذا ما لا نريد مواجهته فنمعن في الهرب ولعق جراحنا مستمتعين. والحسّ النقديّ لا يقوى بين لحظة وأخرى لأنّه ممارسة يوميّة تبدأ منذ اللحظات الأولى لتكوّن وعينا، ولا ينمو هذا الحسّ وتتشعّب اهتماماته إلاّ في أجواء الحريّة، حيث يمكنه طرح الأسئلة من دون خوف من تكفير أو تجريم أو تخوين أو تهديد. ومع أنّنا جميعنا نعاني من تأثير هذه الإعاقة على مسيرة حياتنا ومصير أوطاننا إلاّ أنّنا نرفض الاعتراف بها وندّعي أنّ الأمور على خير ما يرام. والصحافة مطالبة على الدوام بأن تكون المساحة الحرّة المفتوحة لطرح الأسئلة لا بهدف تحقيق السبق الصحافيّ ولا بهدف إثارة الجماهير ولا في ادّعاء جرأة تكون في أكثر الأحيان اجترارًا لمصطلحات وكلمات خالية من المعاني، بل لتعليم فنّ التفكير والتحليل والتفكيك بهدف المعرفة، معرفة كلّ شيء.
وما دامت الصحافة تنتظر الحدث لتعلِّق عليه، فلن تعلَّق عليها الآمال. إذ لا يجوز أن نتذكّر أطفال غزّة عندما يموتون، والفقراء في مواسم الأعياد، وجيش الاحتلال عندما يقصف بيوتنا، كأنّ أطفال غزّة ولدوا من رحم القنابل الذكيّة، والفقراء نبتوا فجأة بين شقوق طرقاتنا كالعشب البريّ، وجيش الاحتلال وصل البارحة ليلاً إلى فلسطين ولم تعلم الصحف بأمره إلاّ بعدما ذهبت النصوص إلى المطبعة. أمّا إذا كانت الصحافة عاجزة عن هذا الدور الاستباقيّ بسبب تكوين مجتمعاتنا وأنظمتنا فلتكن على الأقلّ قادرة على التفكير بالنيابة عن مجتمع كامل وتحليل الحدث لا الانسياق خلف جماهيريّة الخبر وأخبار الجماهير. غير أنّه من المهمّ التذكير بأنّ الحس النقديّ ليس محصورًا في العمل الصحافيّ وإن كان هو الواجهة في عصر الإعلام السريع الخطوات. وتعليمه لا يكون في جامعات متخصّصة بل يكون جزءًا من تكونّنا العقليّ يطال الطعام والشراب واللباس والعلاقة مع الناس والطبيعة والله وكلّ نتاج العقل البشريّ. ولا يجوز أن يكون ثمّة محرّمات أو ممنوعات أو صنميّة أو عبوديّة حتّى ولو كان ذلك يخيف كثيرين ممّن يخشون على المقدّسات كأنّ المقدّسات هشّة لدرجة أنّها لا تصمد أمام العقل.
وإذا كان أئمة الدين وعلماء الفكر والفلاسفة في عصور التنوير عندنا طرحوا الأسئلة عن الله فهل يجوز أن يسكت الصحافيّون عن ممارسات حكّام وقادة ووزراء ينحصر دورهم في خدمة الناس، الناس أنفسهم الذين يؤمنون بأنّ الله أرسل أنبياءه من أجلهم. ولذلك على الصحافيّين اليوم، والمحلّلين منهم في شكل خاصّ، أن يبدأوا الكتابة عمّا بعد غزّة، فهناك المواضيع الساخنة.

هناك تعليقان (2):

Yassin يقول...

الحس النقدي يحتاج إلى تهيئة عقلية منذ مراحل باكرة من العمر, و هذا ما لا يتوفّر حتى في قطاعات واسعة من الغرب فما بالنا بالشعوب العربية المشبعة بالفكر الأحادي و الإلغاء و التكفير و التخوين.

هذا عن وجود عدد قليل من الكتّاب.. لكنهم أيضاً نشير إلى أنهم موجودون! لكن الصحافة العربية متخلفة و متملّقة, أغلبها حكومي أو مرتبط بمصالح اقتصادية مع أشخاص أو جهات محسوبة على حكومة معيّنة.. و الحس النقدي في هكذا منشورات لا يلاءم.. ربما لو أنه موجودٌ على الساحة لتكاثر بالتقليد لكن من الصعب أن يتم تقليد ما هو غير موجود!


تحية

ماري القصيفي يقول...

أعتقد أنّ شعبنا العظيم عنده من العناد ما يجعله رافضًا تقليد إلاّ ما يلائم غرائز، لذلك أنا مقتنعة بأنّ على الواحد منّا أن يخلّص نفسه إذ بات من المستحيل تخليص هذا المجتمع.