الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2009

كم يبدو العالم صغيرًا في غرفتي!



يجتمع مئات الأشخاص في غرفتي كلّ ليلة. نسهر ونثرثر ونتشاجر ونتبادل الأخبار والصور والمعلومات وأحيانًا كثيرة يزدحم المكان فأطفئ جهاز الكمبيوتر وأطلب من الجميع، بكلّ تهذيب، أن يعودوا إلى غرفهم، إلى منازلهم، إلى البلدان التي فيها يقيمون.
"وجيه" يعود إلى فرنسا الباردة، "جيجي" إلى قطر الدافئة، "غسّان" إلى الولايات المتحدة القلقة، "أحمد" و"نزيهة" إلى البحرين وصحافتها صاحبة الجلالة، "موريس" إلى لندن الغارقة في حضن الضباب، "ريتا" إلى كندا القابعة تحت الثلج وغيرهم وغيرهم من الأصدقاء والعابرين الذين يعودون إلى قواعدهم سالمين ما أن أقول لهم: "تصبحون على وطن"، كما يغنّي محمود درويش بصوت مارسيل خليفة ولحنه. أمّا أنا "فأعود لا شيء معي إلاّ كلمات" كما يغنّي نزار قبّاني بصوت ماجدة الرومي وموسيقى إحسان المنذر .
برج بابل تصير غرفتي في الوقت الذي أجلس فيه أمام شاشة الكمبيوتر. تتداخل اللغات واللهجات والشكاوى وأحوال الطقس، وتتشابك الأحاديث حين يعاتب كلّ واحد الآخر ويسأله عن سبب تأخّره في الإجابة أو الكتابة، فأشعر بأنّ العالم قد صغر حتّى بات في متناول أناملي على لوحة الأزرار، وبأنّ غرفتي قد صغرت حتّى لم يعد ثمّة مكان لأحد، ثمّ أكتشف فجأة أنّ الذين رحلوا لم يرحلوا بل كانوا على مقربة حرف من يدي، وأنّ الذين ابتعدوا لم يبتعدوا بل كانوا على مقربة زرّ من الأزرار التي تؤلّف أسماءهم، وأنّني لم أنس أحدًا منهم وإن كنت أقنعت نفسي، لأحمي نفسي، بعكس ذلك.
الأسماء نفسها، ولكن الوجوه كبرت بعدما مرّت عليها خطوط العمر وحطّ عليها غبار السفر وأقامت فوق ملامحها تجارب الحياة: الذين كانوا صغارًا صاروا يضعون صور صغارهم باعتزاز وحنان كأنّ العالم اكتمل بهذه الوجوه الجديدة الواعدة. والذين كانوا متمسّكين بانعزالهم صاروا فخورين بصداقاتهم كأنّ ارتفاع عدد الأصدقاء يرفع نسبة الأمان. والذين كانوا خجولين صاروا نجومًا اجتماعيّة بعدما وقفت المسافات حاجزًا بينهم وبين من يدردشون معه عبر الإنترنت، في منأى عن المواجهة والأذى.
لعبة "الدردشة" عبر وسائل الاتصال الحديثة لا تزال تطرح عليّ تساؤلات حول ماهيتها وشروطها وأهدافها. فلماذا تخفت العلاقات الاجتماعيّة المباشرة وتزدهر الأحاديث والرسائل عبر الهاتف أو الإنترنت؟ وما هذه الحاجة الطارئة إلى التواصل، ولو مع الغرباء، بعدما ظنّ الإنسان أنّه يستطيع التخلّي عن الجميع والتحرّر من كلّ التزام أو واجب؟ وهل سننجح في تحويل هذه الوسائل الكونيّة في التخاطب والتعارف منارات إشعاع أم ستبقى كما هي الآن بالنسبة إلى الكثيرين منّا: مجرّد طريقة حديثة للثرثرة واللغو ونشر الأقاويل والإشاعات؟

ليست هناك تعليقات: