الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 13 نوفمبر 2009

الكتابة على ورق الخسّ



متابعو هذه الكتابات ذات المزاج النسائيّ يذكرون حديثي عن المطعم القرويّ في بيروت، ولذلك يعرفون إنّ مقالتي عنه أثنت على الفكرة الذكية التي تقف خلف إنشائه، بقدر ما توقّعتْ انفضاض الناس عنه ما أن يضجروا من الحكاية التي أثارت اهتمامهم وجعلتهم يتساءلون عن هويّة الرجل الذي يحمل المطعم لقبه.
المشكلة مع الحكاية أنّ عليك أن تصدّقها أوّلاً كي تستطيع إقناع الناس بها، وكي تجعلها قابلة للتحوّل واقعًا. لذلك أصبح "راجح" (جوزف عازار) في مسرحيّة "بيّاع الخواتم" رجلاً حقيقيًّا خرج من الحكاية وصار له اسم وهويّة وشكل، ولذلك أيضًا لم تسافر "وردة" (فيروز) في القطار وهي التي زرعت في أفكار الناس "المحطّة" /الحلم، ورحل الجميع، إلاّها، عندما وصل "التران" وبقيت صاحبة الحلم واقفة على رصيف الانتظار لأنّها لم تشتر بطاقة سفر.
من السهل أن يفضح أصحاب المطعم أنفسهم عندما تتحدّث معهم لأنّك تكتشف فجأة أنهم "اشتروا" الحكاية كما يشترون أيّ سلعة أو زينة أو خسّة، ولا يمكن الجالس معهم أن يرى بريق الحلم في عيونهم ولن يتوقّع أن تنجب الحكاية حكايات أخرى. فهل هذا عقاب من يريد أن يرى عن كثب كيف تلمع كلمات الحكاية في عينيّ من حلم بها ذات قمر ونجمة وليل؟ وأين اختفى ذلك الحالم وبأيّ مبلغ باع حكايته؟
نشأت في بيروت علاقة قديمة بين المطعم أو المقهى والثقافة، وتزخر أدبيّات هذه المدينة بذكريات أدباء عن أيّام أمضوها في تلك الأمكنة/الفسحات، حتّى صارت أسماء أصحابها والعاملين فيها تترافق مع أسماء سياسيّين لبنانيّين وشعراء ومسرحيّين وثوريّين هاربين من بلادهم إلى حيث الحريّة الخلاّقة. وهكذا صار مطعم "فيصل" في مقابل الجامعة الأميركيّة، ومطاعم الروشة كاليلدزلار ونصر وشاتيلا، ومقاهي شارع الحمرا كالويمبي والهورس شو والمودكا والكافيه دو باري وسواها كثير، نقول صارت قلاع مقاومة فكريّة، أو مراكز حزبيّة أعدّت فيها أكثر من ثورة انقلابيّة. وكان القيّمون عليها يفتخرون بأّنّ مطاعمهم لم تعد مجرّد أمكنة عابرة لتناول الطعام بل تحوّلت بيوتًا يلجأ إليها الهاربون من الظلم والملاحقة، ومسارح يطلق من خلف طاولاتها الفنّانون والشعراء أفكارهم التي يخاف أيّ مكان آخر من احتمال جرأتها وحداثتها. ولذلك لا يزال ما بقي "حيًّا" منها يحتفظ على جدرانه بصور مبدعين عرب وأجانب، ولا تزال ذاكرة الأمكنة تحجز هذه الطاولة لذلك الشاعر وتلك الزاوية لذلك المفكّر، وهذا المقعد للأستاذ الفلانيّ.
لا تصل فرحتنا بمطاعم بيروت أو مقاهيها إلى أبعد من يوم أو اثنين أو ثلاثة، كأنْ كتب على هذه المدينة أن تصفعك دومًا وتصرخ في أذنك: استفق فلن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، وذاكرة بيروت صارت مجموعة آثار تعمل البلديّة على جمعها في مبنى خاصّ على تقاطع السوديكو، يبدو أنّه يحمل آثار الحرب أكثر من أيّ شيء آخر.
لم نعد نخترع الحكاية ونصدّقها، بل نشتريها معلّبة مع طريقة الاستعمال وانتهاء مدّة الصلاحيّة، ونحن نعرف مسبقًا بأنّها استثمار قصير الأمد وليست ارتباطًا بمكان وتاريخ. ولذلك تخلو المطاعم من الصحف وتزدحم بالأراكيل، وتغيب أحاديث الثقافة وتحضر في قوّة ثرثرات النساء السيليكونيّات، وتعبر في سرعة وخجل وجوه الشعراء والأدباء وتقيم آمنة وجوه إعلاميّات هذا الزمن وملكات جماله وعارضي الأزياء وفتيات الجامعات المتسكّعات، الذين لا نجرؤ على الرهان عليهم لتأسيس ذاكرة جديدة.

ليست هناك تعليقات: