الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 15 نوفمبر، 2009

لا تمنحوا منصور الرحباني وسامًا


اتركوا منصور الرحباني يرثي نفسه، فتّشوا في قصائده والأغنيات عن معاني الموت والخلود والوطن والحياة والإبداع، ولا تتعبوا أنفسكم فلن تجدوا ما يليق به أكثر من كلماته. لا تمنحوه وسامًا فهو الوسام على صدر الوطن والأمّة والإنسانيّة، ولا تؤلّفوا لجنة لإحياء ذكراه فاللجان مقبرة الذين لا يؤمنون بالقيامة، ولا تضعوا جائزة باسمه فاسمه هو الجائزة التي لم نكن نستحقّها. ولا تكتبوا عنه في زوايا الصحف والصفحات الداخليّة فهو من أعمدة الهيكل ولم يجد لخبر رحيله عنوانًا يحتلّ عواميد الصفحات الأولى. ولا تحشروه في كتاب مدرسيّ لينزل به معلّمو النثر تشريحًا يكرّه التلاميذ به. لا فضل لإنسان على آخر إلاّ بالدين، والدين جمال وحقّ وسموّ وإيمان بالله والأرض والإنسان، ومنصور الرحباني كان من هؤلاء المؤمنين المتدينين، فهل يشبه موته موت أيّ أحد؟ وإن ساوينا بين موت المبدع وموت أي إنسان آخر ألا نهين الإبداع الذي وضعه الخالق في هذا المخلوق؟
ويل لأمّة يحتلّ سياسيّوها وعسكريّوها عناوين الأخبار والصحف ولا يتركون لمبدعيها إلاّ نعيًا في صفحة الوفيّات ومن ثمّ على لوحة من حديد في شارع من شوارع المدينة الصاخبة.
ويل لأمّة تنتظر موت كبارها ليجد الصغار ملعبًا للهوهم، والحاسدون منفسًا لحقدهم، والأغبياء منبرًا يتكلّمون من فوقه على من لم يحسنوا الكلام في حضرة وجوده وفنّه.
كان التمييز بين عاصي ومنصور هوايتنا، نحصر الإبداع الشعريّ بأحدهما ونجعل الآخر صداه، أو نعطي أحدهما صفة الشاعر والآخر صفة الملحّن، أو نقول إنّ أحدهما هو الفكر والآخر هو الشكل، أو إنّ الواحد منهما كان للغة اللبنانيّة والثاني للقصائد، ونتخاصم من أجل ذلك، وبسببه يتكوّن أتباع لعاصي وأتباع لمنصور وأتباع لفيروز. ربّما! ربّما كان الإنتاج الرحبانيّ أكبر من شخص وشخصين وثلاثة، ربّما تضافرت له جهود شعراء وموسيقيّين وفلاسفة ومؤرّخين، ربّما نجد في كثير من النصوص أثرًا لذاك أو لذلك من الكبار الآخرين، ولكن هل يلغي ذلك عبقرية الاثنين التي صهرت كلّ ما صبّ فيها وأنجبت هذا الشعر وهذه الموسيقى وهذا الـ"لبنان" الذي جعلنا لا نكتفي بالوطن الذي بين أيدينا لأنّه ليس على مثال وطنهم. ربّما سنحتاج إلى أعمار كثيرة كي ندرس الإنتاج الرحبانيّ ونحلّل الإبداع فيه، وربّما سنجد فيه ما لم ننتبه إليه في حياة الأخوين رحباني وأثناء وجودهما لأنّهما كانا دائمًا يشغلاننا بالجديد عندهما حتّى بعدما رحل عاصي، ومن يصدّق أنّ ما قدّمه منصور بعد رحيل أخيه لا يحمل شيئًا من عاصي؟ وهل يخرج الإنسان من جلده، ويمحو ذكرياته والأحاديث التي بدأت في عليّة المقهى واستمرّت إلى ما بعد الموت، وها هي تستعيد الآن ضحكات الطفولة البريئة وعلامات الاستفهام الأولى عن الحياة وما خلف الحياة؟ الآن مات منصور الرحبانيّ، ولا نخدع أنفسنا بالقول إنّ العباقرة لا يموتون. إنّهم يموتون، صدّقوني، يموتون مليون مرّة في اليوم، يموتون من الحزن والحبّ والشعر والجمال، يموتون ويقومون من "ميتاتهم" ليعودوا ويموتوا وهذه هي مأساتهم: أن يموتوا مع موت كلّ إنسان، وعن كلّ إنسان. مات منصور الرحباني لأنّه تعب من التفكير والتحليل ومحاولة الفهم، فأوقفوا المذيعات والمذيعين عن ارتكاب مجازر الغباء في حقّ إبداعه، وكسّروا الأقلام التي تكتب عن علاقات خاصّة ربطت حامليها به أكثر ممّا تكتب عنه. وما دام موته لم يستحقّ أن يكون عنوانًا يمتدّ على العواميد كلّها في رأس الصفحة الأولى لأيّ جريدة لبنانيّة، أو الخبر الأوّل في نشرات الأخبار، فهذا يعني أنّ صورة لبنان التي كنّا نعرفها زالت إلى غير رجعة.

ليست هناك تعليقات: