الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 16 نوفمبر، 2009

قضايانا الوطنيّة ومسألة اللغة



خلال الحرب على غزّة، ظهر رجل على إحدى المحطّات الفضائيّة التي تنقل مشاهد الأطفال والنساء وهم يلتحفون دماءهم، وفي صراخه الهستيريّ أمام آلة القتل الإسرائيليّة وعدسة الكاميرا العربيّة قال: لن نستسلم وسنموت جُوعًا (بالضمّة على حرف العين)...وقبل أن يتابع صحّح لنفسه مرّتين كأنّه يريد أن يمحو "الخطأ" الذي ارتكبه وردّد جَوعًا، جَوعًا (بالفتحة على حرف العين). فهل تكون حركة "فتح" على جيم الجوع أصدق تعبيرًا من ضمّ الأطفال الشهداء إلى تراب الوطن؟ وكيف بدا الأمر كلّه بالنسبة إليه مسألة لغة؟
في 15 كانون الأوّل 2008 كتب محمّد السمّاك في صحيفة "المستقبل" اللبنانيّة إنّ العرب عام 1967 وقعوا ضحيّة خطأ في ترجمة نصّ القرار 242 حول الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وذلك لاختلاف النصّ بين اللغتين الفرنسيّة والإنكليزيّة، ففي النصّ الفرنسيّ ورد: وجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي العربيّة المحتلّة، وفي النصّ الإنكليزيّ طارت أل التعريف من كلمة الأراضي ونعتيها، وصارت: من أراضٍ عربيّة محتلّة.
الألف واللام! ألا يذكّراننا باللام والألف في لاءات الخرطوم الشهيرة: لا للصلح، لا للسلام، لا للاعتراف بإسرائيل؟ وهل ستبقى قضايانا رهينة الترجمة وأسيرة ألعابنا اللغويّة وشطارتنا في التفتيش عن غرائب الصدف في أحاجي الحروف؟ وما علاقة الأرض باللغة؟ وأيّهما المقدّس بينهما؟ وهل الأرض هي لغتنا الثابتة، واللغة هي بساطنا الطائر إلى كلّ أرض؟
نحن اللبنانيّين نقع أسرى اللغة وتصريف الأفعال كلّما مُسّت القضيّة الفلسطينيّة بسوء وهي لم تكن إلاّ كذلك، فما أن نبدأ بالخوف على الفلسطينيّين وأطفالهم وهم ناسنا وأطفالنا، حتّى ننشغل عنهم بالخوف على أنفسنا وأطفالنا، وتنتشر حال الهلع بين المواطنين، وتبدأ مرحلة جديدة من التكهنات وتحضير المؤن وتخزين المحروقات وإعداد البيوت البعيدة عن أماكن غير آمنة يفترض الناس أنّها أكثر من غيرها خطرًا وعرضة للقصف. وهكذا ننتقل فجأة من الضمير "هم" إلى الضمير "نحن"، ومن تعبير "الله يساعدهم" إلى "الله يساعدنا". ولكنّ اللغة تعبير عن واقع ولا تأتي من فراغ، واحتمالات فتح الجبهة عندنا سؤال يكمن لكلّ مسؤول في لقاءاته الصحافيّة، وبالتالي تبدو مخاوف الناس مفهومة ومبرّرة ولن يسخر أحد من عائلات حضّرت أماكن سكن بديلة وجهّزتها بالضروريّات خشية الآتي الأعظم.
فهل سيحصل شيء عندنا؟
العماد ميشال عون قال ردًّا على هذا السؤال: لا أريد أن أطمئن إسرائيل ولا أريد أن أخيف الشعب اللبنانيّ، ولذلك لن أجيب على هذا السؤال. ولكن الشعب اللبنانيّ خائف، وخوفه على أطفاله أنساه خوفه على أطفال غزّة، وكوابيس حرب تمّوز لا تزال تقضّ مضاجع الناس وهدير الطائرات لمّا يغب بعد عن مسامع الأولاد، وبقدر ما يتشوّق مناصرو الأحزاب الراغبة في تلقين إسرائيل درسًا جديدًا إلى حرب جديدة، يغرق آخرون في مخاوف حقيقيّة تزيدهم عزلة ويأسًا ورعبًا من مصير قاتم. ولذلك قرّرنا نحن والفلسطينيّون أن نتقاسم مصيرين أنشدتهما فيروز في أغنيةٍ صارت نشيد الرحيل: فهم باتوا يحترفون الحزن ونحن صرنا نحترف الانتظار. ومعًا ننتظر الآتي ولا يأتي إلاّ على شكل طفل يشبه أشلاء بلاده.
والخوف كلّ الخوف أن نشغل أنفسنا بالبحث في كتب اللغة عن أيّ الكلمتين أصحّ في هذا السياق: جَوعًا أم جُوعًا، وننسى أنّ أل التعريف وقعت خطأ من نصوص صاغها آخرون في غفلة عنّا، ولعلّهم الآن يفعلون الأمر نفسه. فأين نحن من اللغة والأرض والتاريخ والإنسان؟ أين نحن ممّا يحضّر لنا؟

هناك تعليق واحد:

SyrianGavroche يقول...

و كيف لا نخاف اللغة و نحنُ لم ننتج في تاريخنا إلا الشعر؟!

تحية