الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 6 نوفمبر، 2009

خيانة القارئ

Magritte
عندما كتبت هذا العنوان "خيانة القارئ" تساءلت وأنا أنظر إلى الحروف المطبوعة فوق الشاشة: ما الذي قصدته من هاتين الكلمتين ومن الذي يخون الآخر؟ هل الكاتب هو الذي يخون القارئ أم أنّ الخيانة هي من القارئ الذي أضيف إلى كلمة خيانة؟
ضجّ العالم الثقافيّ مؤخّرًا بالخبر المثير عن الأديب التشيكي ميلان كونديرا وذلك بعد نشر تحقيق صحافيّ يشير إلى أنّ هذا الكاتب العالميّ خان أحد مواطنيه ووشى به إلى النظام الشيوعيّ بتهمة التجسّس، فسجن الرجل عشرين عامًا مليئة بشتّى أنواع التعذيب والإذلال.
ومع أنّ كونديرا أصدر بيانًا ينفي فيه هذا الخبر، إلاّ أنّ وسائل الإعلام بدأت تطرح علامات استفهام كثيرة حول صورة الأدباء المخادعة، والطريف في الأمر أنّ الذين يكتبون في الصحف ويتعاطون الشأن الثقافيّ قد تطالهم التهمة نفسها بطريقة أو بأخرى، فالخيانة أنواع وهي تبدو عبر التاريخ نسبيّة تخضع للظروف والقوانين والقناعات وما يمكن أن يكون اليوم عملاً وطنيًّا أخلاقيًّا منسجمًا مع الواقع قد يكون في الغد غير ذلك تمامًا.

Magritte
إذا صحّ التحقيق الذي أعدّه ونشره آدم هاردليك بالتعاون مع بيتر ترنستك فهذا يعني أنّ كونديرا يعيش مع هذه "الخيانة" منذ 58 عامًا، وهي فترة طويلة من الأشغال الشاقّة وخصوصًا حين يكون المحكوم أديبًا عالميًّا توحي كتاباته بكلّ شيء ما عدا الغدر والخيانة والتهليل للأنظمة الديكتاتوريّة وهو يحيا منذ تلك الحادثة خائفًا طوال الوقت من افتضاح أمره. ومع ذلك فلا أعلم لماذا يفاجأ الناس في الاختلاف الطبيعيّ والمتوقّع بين الكاتب والعمل الإبداعيّ. ومن يستطيع أن يقول من المبدعين إنّه يشبه نصّه أو لوحته أو موسيقاه أو منحوتته أو مسرحيّته أو فيلمه، والحمد لله أنّ الأمر ليس كذلك، وإلاّ لكان العالم مكانًا قبيحًا لنحيا فيه.
Magritte
اعتبر اسكندر حبش في صحيفة السفير أنّنا نشهد سقوط بعض الكبار، وأعطى أمثلة عن سولجنستين الذي طالب بترحيل بعض الشعوب عن روسيا عند عودته إليها، والشاعر الألمانيّ غونتر غراس الذي كان يعمل مع النازيّين، وها هو كونديرا الشيوعيّ الحريص على أداء واجبه تجاه وطنه. غير أنّي لا أعرف لماذا لم يرد في المقالة نفسها أسماء كبار من العرب،ربّما سقطوا بالطريقة نفسها ولم يرغب أحد في فضحهم، على عادتنا في التستّر على عيوب بعضنا.
Magritte
في مرحلة من تاريخ الولايات المتحدة كانت العبوديّة قانونيّة فكرةً وممارسة، ولم يكن من يمتلك العبيد مجرمًا أو خارجًا عن القانون، ومع ذلك فلم يكن الضمير أو المنطق أو الدين أو الفكر ليرضى بالعبوديّة، ولكن الأمر يحتاج إلى أبطال أو قدّيسين لكي يستطيعوا إعلان بطلان القانون، والمبدعون ليسوا هؤلاء أو أولئك إلاّ في أعمالهم. هذه هي القاعدة وما سوى ذلك هو الشواذ. ولذلك يحفل تاريخ الإبداع على اختلاف وسائل تعبيره بمبدعين جبناء يمجّدون الشجاعة، ومثليي الجنس يكتبون أجمل النصوص عن الجنس الآخر، وخطباء وطنيين خانوا بلادهم، وقبيحي الشكل أجادوا في تصوير الجمال، وبخلاء يفيض الكرم من أدبهم، ومتحرّرات ثوريّات يتذللن للرجل.
Magritte
في بداية عملي الصحافي، وكنت أكتب باسم مستعار هو مي م. الريحانيّ ومن ضمن سجال نقديّ مع الإعلاميّ والشاعر زاهي وهبي عبر صفحات "النهار" كتبت نصًّا بعنوان " أسمعكم في مقاهي الحمراء وأكتشف الوجه المختبئ خلف الصفحات" (شارع الحمرا، شارع المقاهي حيث يلتقي المثقّفون) تحدّثت فيه عن خيبتي من اكتشاف عوالم الإبداع وأسفي لأنّني التقيت بمبدعين ألسنتهم كالمباضع في حقّ بعضهم. وما زلت حتّى اليوم أخشى الاقتراب من المبدعين في أيّ مجال لأنّني أفضّل صداقة النصّ الطويلة الأمد على لقاء عابر مع كاتبه، وجمال اللوحة على جنون راسمها، وانسياب الموسيقى على نظريّات الموسيقيّ.
Magritte
المتلقّي إذًا هو الذي يخون المبدع عندما يضع له هالة من القداسة فوق رأسه، وعندما يطلب منه أن يخون شخصيّته وينسى ماضيه ويتنكّر لأخطائه. ومع الأسف يقع المبدع في خديعة الصورة ويصدّق أنّه البطل الوحيد لرواياته وقصائده.
Magritte

ليست هناك تعليقات: