الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 2 نوفمبر، 2009

العرب والسياسة

من يستطيع أن يرسم الحدود بين السياسة والجوع والإنسانيّة



هل كان الكاتب البريطانيّ جورج أورويل يتحدّث عن العرب حين قال: "في عصرنا ليس هناك شيء اسمه الابتعاد عن السياسة. جميع القضايا هي قضايا سياسيّة"؟
من المعروف بحسب الإحصاءات والدراسات أنّ الناس في العالم الغربيّ يبتعدون عن القضايا السياسيّة، وأكثرهم لا يعرف ماذا يجري خارج حدود بيته أو بلدته، ولا يعنيهم في شيء أن يسمعوا ماذا يجري في العالم ما دام لا يترك أثرًا على مسيرة حياتهم المبرمجة كالساعات السويسريّة. أمّا نحن فيصحّ علينا كلام جورج أورويل جملة وتفصيلاً، لأنّنا لا نستطيع فعلاً أن نفصل السياسة عن أيّ مظهر من مظاهر حياتنا اليوميّة، وما دامت اللغة العربيّة تجيز بعض الحالات الإعرابيّة الغريبة مراعاة لما وصلنا من هذه القبيلة أو تلك أو احترامًا لما اتفق عليه اللغويون في تلك البلاد أو بحسب رأي ذلك المرجع الدينيّ، فذلك يعني أنّ السياسة تحكمنا منذ أن تكوّنا في أحشاء أمّهاتنا.
ولذلك نعجب حين نسمع أحد المسؤولين في صحيفة ما يقول لأحد الصحافيّين: تستطيع الكتابة في كلّ المواضيع ما عدا السياسيّة منها. ألا يوجد للرياضة سياسة ووزير، وللتربية سياسة ووزير، وللسياحة كذلك، وللثقافة والدفاع والتجارة والفنّ والمواصلات، وما إلى ذلك من شؤون الحياة، فكيف يمكن كاتبًا أن يكتب ما لا علاقة له بالسياسة؟ كتابات ابن المقفع، وقصائد المتنبّي، ومواقف أبي نوّاس الشعوبيّة، كلّها تنبع من آراء في السياسة، وبائيّة أبي تمّام في مدح المعتصم موقف سياسيّ وطنيّ، ناهيك عن قصائد الأحزاب في العصر الأمويّ والهجاء بين الفرزدق وجرير والأخطل مثال معبّر عن ذلك. ولا ننسى العصر الجاهليّ حين كان بيت من الشِعر يرفع قبيلة وبيت آخر يحطّ من قدرها. وإذا قفزنا إلى العصر الحديث، ألا نشعر بالغبن الذي لحق بنزار قبّاني حين اعتبره كثير من النقّاد شاعر المرأة مع أنّ شعره السياسيّ لا يقلّ عظمة في السبك وقوّة في التعبير عن شعره الغزليّ؟ على كلّ حال، الدفاع عن المرأة في حدّ ذاته موقف سياسيّ معارض لما خضعت له من كبت وحرمان خلال عقود وقرون. وهل نستطيع أن نضع الخطّ الفاصل بين السياسة واللاسياسة في كتابات جبران ونعيمة ونجيب محفوظ وأدونيس وأنسي الحاج ومحمّد الماغوط ومحمود درويش وبدر شاكر السيّاب وعبد الوهّاب البيّاتي وصلاح لبكي وسعيد عقل وفؤاد سليمان والأخوين رحباني ويوسف حبشي الأشقر والياس خوري وغيرهم ما لا يمكن حصره من الأدباء، أشعراء كانوا أم روائيّين أم مسرحيّين؟
حين يكون انتخاب المختار في إحدى القرى عملاً سياسيًّا تتداخل فيه عوامل كثيرة ويثير حساسيّات لا حصر لها، فكيف يمكننا إذًا التفكير في ما يجري في غزّة من دون أن نفكّر في القضيّة الفلسطينيّة وكيف تمّ التعامل معها منذ نشوء إسرائيل؟ وهل نستطيع أن نعزل الشهداء والجرحى والمعتقلين عن الخطّ السياسيّ العربيّ الذي لن نجد له في علم الرياضيّات صفة تفيه حقّه؟
حين تصفعني صورة طفل تحت الأنقاض التي خلّفها القصف في أيّ مكان، لا أستطيع أن أبقى ملتزمة سياسة الحياد، ولا أستطيع أن أشغل رأسي بالتفتيش عمّن كان السبب في المصير الذي آل إليه، لأنّ المنطق يقول إنّنا كلّنا مشاركون في صنع تلك الصورة، وإلاّ لما تكرّرت ملايين المرّات بلا خجل أو وجل.
يحاول الطفل أن يرفع رأسه من تحت الأنقاض لعلّ وجهه يعانق وجه الشمس ويغتسل بالمطر، أمّا الكبار فيبحثون عن حفرة يخفون فيها وجوههم خجلاً وجبنًا فلا يجدون سوى أحضان نسائهم.
(نشر هذا النصّ في صحيفة البلاد البحرينيّة خلال الحرب على غزّة)

ليست هناك تعليقات: