الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2009

بين القارئ والناقد



كيف ينجو الكاتب من تأثير الناس وأقلام النقّاد ليحافظ على استقرار واستقلال لا غنى له عنهما إن أراد الاستمرار في "معايشة" تلك النمرة التي اسمها الكتابة، والتشبيه هنا استعرته من الكاتب جبرا ابراهيم جبرا؟ ففي مجال الإبداع، على مختلف وجوهه ووسائله ومدارسه، غالبًا ما يقع الاختلاف الفاضح بين ما وجدته الجماهير الغفيرة (الفنّان فيلمون وهبي يسمّيها غفورة في أحد الأعمال الرحبانيّة) رائعًا ويستحقّ التهنئة والجائزة والتكريم، وما اعتبره النقد هابطًا وسيّئًا وغير قابل للحياة أو البقاء.
فكم من مرّة نجح فيلم عند شبّاك التذاكر، وسقط سقوطًا مريعًا في شِباك النقد والتاريخ، وكم من كتاب حقّق أعلى نسبة في المبيعات وانتشر بين الناس انتشار النار في أحراج لبنان خلال الصيف، ثمّ تبيّن أنّ شعبيّته لم تشفع له عند النقّاد والدارسين! وقس على ذلك في مختلف الأنواع الفنيّة الإبداعيّة، وفي كلّها يقع المبدع في فخّ التساؤل: من عليّ أن أرضي: الناس أم النقّاد؟ والمفارقة الطريفة في الموضوع أنّ المبدع نفسه لا يستطيع الإجابة بصدق على هذا السؤال لأنّ أيّ جواب يعطيه سيضعه في موقف حرج. فإن قال: لا أريد الجماهير التي تحبّ هيفاء وهبي وشبيهاتها قال له الناشر: إذًا لا تسألني عن المردود الماديّ لكتابك. وإن فكّر للحظة في أن يحظى بالانتشار الشعبيّ عيب عليه الأمر وقيل عنه: يكتب ليرضي الناس لا ليرشدهم.
ولذلك لم يستغرب الشاعر الكبير أدونيس حين قال له ناشر أحد كتبه أنّ نسخة واحدة بيعت من الكتاب طيلة العام، فأدونيس يعرف صعوبة شعره التي تعود في أسبابها إلى لغة خاصّة أصيلة وتراكيب عقليّة لا تصل بسهولة إلى القرّاء، ومع ذلك فهو ليس مستعدًّا للتنازل عن ذلك، ما أجبره - ربّما – على الانصراف إلى فنّ "الكولاّج" لتأمين مردود ماليّ محترم. وقد يكون نزار قبّاني من الشعراء القلائل الذين استطاعوا أن يوفّقوا بين الرقيّ الشعريّ والجماهيريّة الواسعة، من دون أن يعني ذلك أن لا تفاوت في المستوى بين قصائده أو أنّها لم تنل كلّها الحظّ نفسه في الانتشار وإثارة الإعجاب.
وفي غياب النقد الحقيقيّ الذي يجمع بين العِلم والموضوعيّة والأخلاق سيبقى المبدع راغبًا في قرارة نفسه في الاحتكام إلى عفويّة القرّاء والمشاهدين وإعجابهم العفويّ غير المدّعي، لأنّه بذلك يضمن على الأقلّ أن لا ضغينة تحمل قلم النقد ولا جهل يقرّر مصير الإبداع، ولا أصوليّة فكريّة إرهابيّة تضع رقيبًا فوق كتف كلّ كاتب أو فنّان أو مفكّر ليهمس في أذن كلّ منهم كلامًا يتزاوج فيه الترغيب بالراتب والترهيب من القصّ والمحو والإلغاء.
ومغرور ومدّع كلّ من يقول أنّه لم يرضخ لكلا الترغيب والترهيب في لحظة ما من لحظات إنسانيّته، وإلاّ لما استطاع كثير من الأدباء والشعراء والصحافيّين والفنّانين والفلاسفة والمفكّرين والعلماء أن يحافظوا على وجودهم ويضمنوا بقاءهم، ولكان شهداء الفكر والإبداع أكثر بكثير ممّا قد يخطر على بالنا.

ليست هناك تعليقات: