الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 1 نوفمبر 2009

من عالم سائقي التاكسي 2

بيروت

كان سائق التاكسي يتحدّث عن مهنته كما تتحدّث امرأة عن اضطرارها إلى التحوّل عاهرة. قال إنّ الظروف أجبرته على ممارسة هذا العمل، وقال إنّه مجبر على التواصل مع مختلف أنواع الناس، وقال إنّ ما يراه ويسمعه يدفعه إلى اليأس من الحياة، أو على الأقلّ إلى القرف منها.
كان يريد أن يحكي، وأنا أحبّ أن أصغي. فكيف إذا كان الإصغاء يُسمعني كلام رجل يقودني إلى حيث أريد، ويتحدّث في الوقت نفسه عن الحياة وكيف قادته إلى حيث لا يريد. مشهد عبثيّ لا يمكن تفويت فرصة المشاركة فيه. غير أنّ الحكايات التي يرويها عن عالم الليل وحيوات الناس فيه كانت تحتاج إلى أكثر من توصيلة سريعة ومع ذلك كان في الإمكان بناء ذلك العالم بشخصيّاته وحكاياته من سيل الكلمات المتدفّق من فمه.
المرأة الصامتة هي أكثر قصّة تفاعل معها الرجل حتّى كدت أجزم أنّ دموعًا تترقرق في عينيه في كلّ مرّة يعيد سردها على مسمع أحدهم.
عندما ناداه عامل الهاتف، في تلك الليلة، على جهاز اللاسلكيّ ليلبّي الطلب ويحضر المرأة من حيث هي، لم يكن يعلم أنّه سيكون شاهدًا على حكاية لا تصلح للأولاد. والحكاية بدأت حين نبّهه الموظّف في مكتب التاكسي إلى أنّ المرأة التي سيقلّها إلى بيتها لن تقول كلمة واحدة، وأنّ رجلاً سيعطيه ظرفًا ورقيًّا فيه مبلغ من المال ليسلّمه إلى رجل آخر يقيم حيث ستنزل المرأة. وهذا ما حصل: صعدت المرأة وهي صامتة واجمة، انزوت في المقعد الخلفيّ وألصقت رأسها بالزجاج، ثمّ اقترب رجل وناول السائق الظرف المغلق. أصرّ السائق على أنّ من واجبه أن يتأكّد من أنّ ما في المغلّف ليس مخدّرات أو أيّ شيء آخر غير المال. فقبل الرجل. وحين تمّ كلّ شيء حسب التعليمات، انطلق السائق إلى حيث طلب منه أن يوصل المرأة. هناك، كان رجل آخر في الانتظار، فأسرع حين توقّفت السيّارة، وفتح الباب لكي تخرج المرأة الصامتة وقال لها: أسرعي، الطفل يبكي. ثمّ سأل السائق عن "الغرض" وحين استلمه فتحه ليتأكّد من المبلغ ودلف إلى المنزل خلف المرأة.
في مكتب شركة التاكسي، وجد السائق مجموعة من زملائه ينتظر كلّ منهم نوبة عمله، فشعر بأنّهم يتوقّعون منه أن يسألهم لحظة دخوله عليهم عن حكاية هذه المرأة، فلم يخيّب أملهم، وحين بدأ أحدهم بالكلام فهم السائق الحائر أنّ كلّ واحد منهم مرّ في هذه التجربة، وكلّ واحد يملك فصلاً من الحكاية.
ولكن ما أثار دهشة الرجل من ردّة فعله وردود فعل زملائه أنّهم كلّهم كانوا متعاطفين مع المرأة، وكلّ واحد منهم يتمنّى لو أنّ في إمكانه إنقاذها ممّا هي فيه. فليس شيء في كلّ قيل عنها يوحي بأنّها كانت تستمتع بمّا تفعله، بل بدت كأنّها مجرّد آلة تنفّذ الأوامر ولا رأي لها في الموضوع، أو كأنّها خنقت منذ زمن أحاسيسها ومشاعرها (إلاّ لحظة قيل لها أنّ طفلها يبكي) حتّى صارت على ما هي عليه من جمود وصمت هما أقرب إلى الموت منهما إلى الحياة. وكيف لا تفعل ذلك وزوجها يفرض عليها ممارسة الدعارة، ويرسلها في مهمّات إلى منازل في أماكن متفرّقة؟ ولكن ما لم يستطع أحد من السائقين الذين أقلّوها إلى حيث زبائنها أو أعادوها إلى منزلها أن يتأكّدوا منه هو إن كانت هي التي ترفض قبض ثمن جسدها أو إن كان زوجها هو من يفرض هذا التدبير.
يروي لي السائق أجزاء من الحكاية، وحين يصمت بعد عبارة: الله يستر على كلّ الناس، يترك لي من دون أن يعلم الحريّة الكاملة لتخيّل المرأة التي تهرع إلى طفلها، وتمارس أمومتها بعدما استنزف الآخرون أنوثتها وإنسانيّتها.

ليست هناك تعليقات: