الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 20 نوفمبر، 2009

مواقف مجّانيّة


تضامن لبنانيّ...طبيعيّ

موقف السيّارة يكلّف في لبنان أكثر من أيّ موقف يتّخذه صاحب السيّارة من أيّة قضيّة اجتماعيّة أو إنسانيّة أو وطنيّة.
ففي موقف السيّارات، تدفع المبلغ المحدّد، وتعطي إذا كنت سخيًّا، مبلغًا إضافيًّا للموظّف في الموقف، وتذهب إلى حيث تقصد وأنت مطمئنّ البال إلى أنّ سيّارتك في أمان، وإلى أنّك قمت بواجبك تجاه وسيلة نقلك الحبيبة على قلبك. مع العلم أنّ أغلب مواقف السيّارات تنذرك، بواسطة لوحات إعلانيّة كبيرة، بأّنها غير مسؤولة عن أيّة سرقة تتعرّض لها السيّارة أو محتوياتها.
أمّا المواقف التي هي فعلاً مجّانيّة، فهي تلك التي يتمسّك بها أصحاب السيّارات حتّى الباهظة الثمن منها.
فمن السهل مثلاً أن يقف الإنسان إلى جانب أخيه الإنسان (المريض، والسجين، والحزين، والمطرود من عمله...)، فهذا الموقف مجّانيّ في امتياز، ولا يكلّف إلاّ بضع كلمات لا تسمن ولا تغني عن جوع، والكلام في وطننا الحبيب أرخص ما يمكن أن يوجد على الرغم من أزمة الغلاء وتدهور الأوضاع الاقتصاديّة.
ولكن هل تعرفون أحدًا "وقف" فعلاً إلى جانب أحد بغير الكلام؟
هل تعرفون مثلاً والدة حلقت شعر رأسها تضامنًا مع ابنتها المراهقة المصابة بمرض السرطان والتي خضعت لعلاج كيميائيّ جعلها تفقد شعرها الجميل ما أجبرها على وضع شعر مستعار يجعل جلد رأسها يشتعل من الحرارة في صيفنا الملتهب؟ ولماذا لا نقوم نحن النساء والرجال بتشجيع المصابات والمصابين بالسرطان وذلك بحلق رؤوسنا والظهور علنًا ومن دون شعور مستعارة كي لا يخجل المرضى من أمراضهم ومفاعيل الأدوية؟
هل تعرفون والدًا امتنع عن التدخين من أجل أن يشجّع ابنه على الامتناع عن هذا النوع من الإدمان؟
هل تعرفون صديقًا تخلّى عن رحلة استجمام ليبقى إلى جانب صديقه المطرود من العمل؟
هل تعرفون زوجًا قدّم استقالته من العمل في الشركة التي طردت زوجته منها لأنّ المدير يريد أن يوظّف إحدى صديقاته؟ وهل ننتظر بعد ذلك من زميلاتها وزملائها أن يتضامنوا معها؟
لن تجدوا! وإن حصل ووجدتم فتمسّكوا بهم لأنّهم نادرو الوجود!
أمّا المواقف البطوليّة والدعم المعنويّ والمؤازرة وكلمات التعزية والتشجيع ومظاهرات التأييد، فكلّها أمور تزينيّة جميلة أساسيّة غير أنّها لا تحلّ مشكلة ولا تداوي جرحًا. طبعًا ليس المقصود ألاّ نقول شيئًا ولكن الأفضل هو أن نفعل شيئًا. فنحن ما زلنا حتّى الآن مقتنعين بأنّنا ببيت من الشعر نعلي شأن قبيلة ونحطّ من قدر أخرى. وما زلنا مؤمنين بفعل "الكتابة" على تغيير مصائر البشر وبأنّ "فكّ الكتيبة" ينقذ الإنسان من شرور الآخرين وحسدهم وبغضهم.
تخبر إحدى النساء إنّها، عندما أجبرت على تقديم استقالتها من العمل والبقاء بضعة أشهر في البيت بلا راتب أو تعويض، كانت تشعر بالحزن والإحباط عندما كان الناس يزورونها مشجّعين. والسبب في ذلك أنّ الأحاديث المتعلّقة بها كانت تأخذ وقتًا قليلاً على اعتبار أن ليس عندها ما تخبره بسبب مكوثها في البيت وحرمانها من أيّ نشاط اجتماعيّ، ثمّ تأخذ المواضيع الأخرى الحيزّ الأكبر من الوقت: فلان أجرى عمليّة تجميل، فلانة مسافرة للسياحة، فلانة تمضي وقتها على البحر، فلان أجرى عمليّة ليزر لعينيه ليتخلّص من النظّارتين الطبيّتين، وإلى ما ذلك من الأمور اليوميّة الكماليّة التي كانت تدفع المرأة إلى إجراء حسابات سريعة، لعلّها تعرف لمدّة كم من الوقت كانت كلفة عمليّات التجميل والليزر ستساعدها على البقاء في انتظار إيجاد عمل آخر، أو إلى التساؤل لماذا يزورها هؤلاء ويكلّفونها عددًا من أكواب العصير وفناجين القهوة.
في لغتنا اليوميّة اللبنانيّة نقول: الوردة لا تشبع لكنّها تطيّب الأنفاس. كلام جميل، ولكن رجاء لا تدعونا نختنق من رائحة الورد وخصوصًا إذا كنّا جائعين! ورجاء لا تعذّبوا أنفسكم بالوقوف إلى جانبنا لأنّ الوقوف يسبّب الـ"فاريس" في الساقين، فإذا جلستم لن تضرّوا أحدًا على ما يقول أبو نوّاس، ولا تضربوا عن الطعام من أجل قضيّة، فإذا أكلتم احتججتم أكثر على ما يقول الأخوان رحباني.

ليست هناك تعليقات: