الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

طرفة بن العبد وقاسم حدّاد شاعرا المراهقة والحكمة



عهد كنت لا أزال في عالم التعليم والتربية، أثرت مع تلاميذي في مناسبات لا تحصى موضوع الشاعر الجاهليّ طرفة بن العبد، وكنت دائمًا أذكّرهم بأنّ كلّ واحد منهم فيه شيء من هذا الشاب الثائر، وإلاّ لما كان مراهقًا حقيقيًّا.
وكنت ولا أزال أرى أنّنا لم نسمح للشعر الجاهليّ الذي وصلنا، بغضّ النظر عن قائليه ورواته وحقيقته، بأن يواكب العصر، إذ يكفي أن "نترجم" كلماته ومعانيه إلى لغة اليوم العربيّة حتّى يجد فيه الناس صدى لأفكارهم وصراعاتهم ومشاعرهم. ولهذا يظلم هذا الشعر، مرّة بحجّة الدين ومرّة بحجّة الجهل، ومرّة بسبب الشكوك، ولعلّ هذا ما يعدنا الشاعر البحرينيّ قاسم حدّاد بالتعويض عنه في ما يعدّه حاليًّا عن مواطنه طرفة بن العبد صاحب إحدى أجمل المعلّقات. فهو في "ترجمته" لحياة ابن العبد وشعره إنّما يضع بين أيدينا شخصيّة تثير الكثير من الأسئلة، وتطرح بشكل مدروس وموثّق وعلميّ، بحسب ما يُفهم من كلام حدّاد، إشكاليّة العلاقة بين الواقع والمتخيّل في سيرة صاحب "خولة". وتنقل جريدة "الأخبار" اللبنانيّة عن قاسم حدّاد قوله حول هذا الموضوع: "كانت شكوكي في محلّها حول أسطورة طرفة بن العبد، وما طاولها من تحريف، إن لجهة شعره أو أسباب موته. الروح التي تنضح بها معلّقة طرفة بما فيها من تجربة وحكمة، تتناقض مع الروايات التاريخيّة عنه. هناك طرفة آخر، مختلف تمامًا، ولم تحسن هذه الروايات إزاحة اللثام عن جوهر شعره بدلالاته البالغة الغنى والتنوّع".
وفي انتظار صدور هذه الدراسة، لا يسعني إلاّ أن أقرأ علامات التشابه بين الشاعرين البحرينيّين، وأكاد أرى في السيرة الذاتيّة التي وضعها حدّاد عن نفسه على صفحة موقعه الإلكترونيّ مشاهد من معلّقة طرفة: فالشاعر المعاصر يقول عن نفسه وإن بصيغة الغائب: "قلبه طفل يراهق، ويتكلّم مثل حكيم"، أو "عابث من الدرجة الأولى"، ما يذكّرنا بقول طرفة عن نفسه: فإن تبغني في حلقةِ القوم تلقني/ وإن تلتمسني في الحوانيت تصطدِ. أو بالبيت الذي يقول فيه: ولولا ثلاثٌ هنَّ من لذّةِ الفتى/ وجدِّك لم أحفلْ متى قام عُوَّدي.
ويصف حدّاد علاقته بالذين حوله فيقول: "وهذا ما يضعني في مجابهة غضب الآخرين وهم يعلنون استنكارهم لشاعر عابث على هذه الشاكلة"، ويقول كذلك: "كأنّه لا يكتب النصّ للاتّصال بالآخرين، ولكن لينقطع عنهم ويبتعد". فنستعيد تلقائيًّا صرخة طرفة وهو يشكو إبعاده عن قبيلته بسبب لهوه إذ يقول وهو ينقطع عنهم ويبتعد مرغمًا: إلى أن تحامتني العشيرةُ كلّها/ وأُفردت إفرادَ البعيرِ المُعبَّدِ.
أبسبب هذا التأثّير والتأثّر يكتب قاسم حدّاد عن نفسه بصيغة الغائب؟ هل لأنّه يعي أنّ الشاعر الذي فيه يرى نفسه في مرآة طرفة بن العبد، فيخشى الهاوية مثله ويقول: "لو فهموا المعنى لأهدروا دمي"؟ ألهذا أمضى سنة من عمره ماشيًا على خطى طرفة من برلين، حيث ذهب للبحث والدراسة بمنحة تفرّغ من الأكاديميّة الألمانيّة للتبادل الثقافيّ، إلى البحرين حيث ولد الشاعر الجاهليّ؟
يخيّل إليّ وأنا أقرأ قاسم حدّاد وأقرأ عنه أنّني أمام فتى مشاغب، يلعب ويلهو، موحيًا للناظرين إليه أنّه مشغول عمّا حوله باللعب واللهو، ثم يفاجئنا بأنّه يعي جيّدًا ما يجري حوله وما قاله الآخرون وفعلوه أمامه وهم مطمئنّون إلى أنّه غير منتبه. ولذلك حين أقرأ أنّه زوج ووالد وجدّ يلتبس عليّ الأمر وأضيّع "الفتى الأرعن" تحت كلمات عجوز "مجنون أعمى يبحث في غرفة مظلمة عن شمس ليست موجودة".

ليست هناك تعليقات: