الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 3 أكتوبر، 2009

الحيوانات الأليفة أم الأصدقاء؟




تفاجئنا الأبحاث العلميّة الحديثة بنتائج اختباراتها وتدفعنا إلى إعادة النظر في الكثير ممّا كنّا نعتقد أنّه من المسلّمات، أو إلى التأكّد من صحّة ما كنّا نعرفه بالفطرة أو ورثناه من دون نقد. ومن آخر الأبحاث المنشورة عالميًّا، دراسة ترتدي طابع الجدّ والرصانة أثبتت أنّ أكثر من ثلث الناس قد يتخلّون عن أصدقائهم ولا يتخلّون عن حيواناتهم الأليفة، على اعتبار أنّ الاستقرار النفسيّ الذي أمنّته صحبة الحيوانات كان مفقودًا في علاقاتهم مع أقرب أصدقائهم.
تدفعني هذه النتيجة إلى التأمّل في حياة أجدادنا المزارعين والرعاة الذين كانوا يربّون الحيوانات الأليفة ويهتمّون بها ويكادون يعيشون معها تحت سقف واحد، فأرى أنّ هؤلاء لم ينظروا إلى الدواجن والأبقار والماعز والخراف والخيول والحمير كما ينظر الغربيّون إلى حيواناتهم الأليفة كالكلاب والقطط والأسماك في الأحواض المزيّنة والسلاحف وسوى ذلك من إنتاجات الخيال الغربيّ الذي قد يجمح بأحدهم إلى اعتبار النمر والأفعى من الحيوانات الأليفة. ففي وعينا الجماعيّ، نحن نتعامل مع هذه الحيوانات على أنّها مصدر غذاء وضعته الطبيعة تحت تصرّفنا، وعلى هذا الأساس نحترمها ونهتمّ بها ونطعمها ونسكنها قرب منازلنا، أكان هذا المنزل خيمة في الصحراء أو قبوًا في قرية جبليّة. وبالتالي، لا نبالغ في نظرتنا إليها، فلا نقدّسها ونحرّم أكل لحومها أو نتعلّق بها أكثر من أولادنا وأحبّائنا وأصدقائنا، ولا نذبحها هواية أو متعة ولا نبيدها للتجارة والاستهلاك.
في المقابل، وقع الغربيّون في هذا التطرّف، فقد يبالغون في الدعوة إلى الرفق بالحيوان لدرجة تدعو إلى السخرية، كمثل إنشائهم مطاعم للحيوانات، ومحلاّت تزيين لها، وجمعيّات حقوقيّة تدافع عنها، وملاجئ خاصّة بالمشرّدة منها، ومباريات للجمال، ومدافن خاصّة، وما إلى ذلك من بدع لا تدلّ إلاّ على نوعين من الفراغ: الفكريّ والعاطفيّ. وعلى عكس هذه الصورة، نجد في الغرب أكثر المؤامرات البيئيّة خطرًا، تلك التي ارتكبها الناس في حقّ الغابات والحيوانات والمياه، وما الحيوانات والغابات المطريّة المنقرضة إلاّ المظهر الأكثر وضوحًا عن أنّ الشعوب البدائيّة أو شعوب دول العالم الثالث أو شعوب الدول النامية ما كانت لتقضي على كلّ هذه الثروات الطبيعيّة لولا التجارة العالميّة التي سنّ الغرب نفسه قوانينها ووضع لها الحماية.
لا شكّ في أنّ الدراسة المشار إليها تبيّن غياب الحياة الاجتماعيّة والعائليّة عن نمط عيش الغربيّين الذين وجدوا في الحيوانات البديل فأخذوا يقيمون معها، ويتنزّهون معها، ويتكلّمون معها، ويحزنون عندما تغادرهم (التعبير الصحيح هنا هو "عندما تنفق"، ولكنّه تعبير قد يجرح شعور أصحاب هذه الحيوانات). وهذا التعلّق المبالغ فيه يساعد هؤلاء الناس على التخلّص من وطأة الوحدة والشعور بالخيبة من صداقات لم تكن على مستوى الآمال. صحيح أنّ الرفق بالحيوانات يلطّف المشاعر، ويهذّب النفوس، ويعلّم الإنسان احترام الكائنات كلّها، ولكن المبالغة المرضيّة في ذلك دليل عدم نضج جماعيّ خصوصًا متى علمنا كلفة العناية بهذه الحيوانات في وقت يقبع فيه متسوّل مشرّد أمام بيت يقيم فيه الكلب معزّزًا مكرّمًا.
تعود إليّ في مناسبة هذا الموضوع صورة امرأة صادفتها عند مزيّن الشعر، وقد أتت وهي تصطحب كلبًا أصرّت على إبقائه في حضنها لأنّه يخاف من البقاء وحيدًا في السيّارة المركونة على مدخل الصالون مباشرة. المهمّ في الخبر أنّ السيّدة في معرض حديثها أوضحت أنّها اضطرّت إلى اصطحاب الكلب، وهو للتوضيح من النوع الصغير الحجم والكبير القيمة، لأنّها لا تستطيع إبقاءه في المنزل حيث الخادمة تهتمّ بطفلتها (طفلة السيّدة طبعًا). ولذلك ارتأت الأمّ الحنون أن تترك ابنتها التي تغار من الكلب في البيت مع الخادمة وأن تحمل الكلب الصغير معها لأنّه "هادئ ولا يزعج" بحسب وصفها.
احترام الطبيعة وكائناتها واجب لا جدال حوله، ومن دون القيام بهذا الواجب لا تستمرّ الحياة على هذه الأرض، على الأقلّ بالشكل الذي نعرفه. والعلاقات مع الناس ستعرّضنا بلا شكّ أدنى شكّ لخيبات أمل كثيرة، غير أنّ الحلّ لن يكون قطعًا في أن نعامل الحيوانات كالبشر، ونعامل الناس كالحيوانات.

ليست هناك تعليقات: