الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 2 أكتوبر، 2009

من يراقب من؟





وصلتني، وسواي، عبر البريد الإلكترونيّ صورة لحفل تنصيب الرئيس الأميركي باراك أوباما أخذت بواسطة آلة تصوير متطوّرة وذات تقنيّة عالية، تظهر كلّ الموجودين في ذلك المكان في تلك اللحظة التاريخيّة من تاريخ الولايات المتحدة.
أمّا إذا أردنا أن نعرف من يوجد في تلك الساحة ويقدّر عددهم بالملايين، فمن السهل أن نفعل ذلك عبر الضغط على سهم خاصّ يرافق الصورة ويجعل الكاميرا تقترب من شخص يجلس في أقصى الساحة. ونستطيع بعد لحظات من توجيه الكاميرا نحو الشخص المطلوب أن نعرف شكله وملامحه ولون ثيابه وما يحمل في يده وما يرتسم على وجهه من علامات الرضا أو التعجّب أو الشعور بالبرد. وللوهلة الأولى تعجبنا الصورة والتقنية ونتصرّف حيالها كأطفال فرحين حصلوا على هديّة العيد. ثمّ نتذكّر العبارة التي ترافق الصورة وتسألنا: هل تعرفون من يراقبكم الآن؟
في لغتنا أمثال وحكم عن مراقبة الناس التي تزيد الهمّ، ولكنّ في حياتنا عيونًا بالمرصاد تراقب وأجهزة تنصّت تسمع وآلات تسجيل تلتقط كلّ تنهيدة أو كلمة. وإذا كنّا في السابق ننزعج من جارتنا الفضوليّة التي تراقب تصرّفاتنا وتحصي تحرّكاتنا، فماذا نقول اليوم ونحن نعلم أنّنا مراقبون من أبعد نقطة توجد فيها كاميرا دقيقة ومتطوّرة تسجّل أين كنّا وماذا كنّا نفعل. ولذلك ما أن انتشرت صورة تنصيب أوباما والتقنية التي استعملت في التقاطها حتّى بدأ الناس في لبنان يتوقّعون أن تشتري الأحزاب المتناحرة عندنا هذه الوسيلة الحديثة كي يصوّروا الناس في التجمّعات التي يدعون إليها ويحصون أعدادهم ويسجّلون أسماءهم ويلاحقون من تغيّب بعدما قبض ثمن حضوره. وهكذا انتشر الخوف من وسيلة ذكيّة قبل أن تصل إلى لبنان، هذا إذا لم تكن قد أصبحت في متناول كثيرين.


كانت عين الفنّان هي التي تراقب وتلتقط أكثر اللحظات تعبيرًا عن المنعطفات التاريخيّة والتناقضات الإنسانيّة، وعندما بدأت الكاميرا تسجّل تلك المنعطفات واللحظات وصار في إمكان الجميع استخدامها والمتاجرة بها تحوّل الفنّ سلعة ينخفض سعرها ويرتفع بقدر ما تثير الصورة فضيحة أو تشكّل قضيّة. ولذلك لم يكن موضوع المراقبة جديدًا على الأدب والفنّ والفكر البشريّ. فالإنسان البدائيّ كان يشعر أنّ ثمّة قوى أقوى منه تراقبه وتتبعه فخاف منها وعبدها وقدّم لها الأضاحي كي يأمن شرّها. فهل يختلف خوف الإنسان المعاصر عن خوف جدّه البدائي؟ لعلّ رواية الكاتب جورج أورويل وعنوانها 1984 الأكثر تعبيرًا عن توقّع الأدب الوصول إلى هذه الحال حين يخضع الجميع لسلطة الرقابة التي لا توفّر أحلامهم وطموحاتهم وعواطفهم لا بل تحوّلهم مجرّد أرقام في جمهوريّة "الأخ الأكبر" الذي يراقب كلّ شيء ويعرف كلّ شيء.
وإذا أردنا أن نلاحق فعل "راقب" في حياتنا اليوميّة ونضعه في جمل مفيدة وقصيرة مؤلّفة من فعل وفاعل ومفعول به فسيكون عندنا عدد هائل من الجمل: يراقب الله الناس، يراقب الرجل زوجته، تراقب الأمّ طفلها، يراقب المعلّم التلميذ، يراقب الشرطي المجرم، يراقب الحارس السجين، يراقب الطاهي الطعام، يراقب المتلصص الجارة، يراقب الفلكيّ النجوم، يراقب الطبيب المريض، تراقب الحماة الكنّة، يراقب الكاتب المجتمع، تراقب الدولة الكاتب، وهكذا إلى ما لانهاية من الجمل التي تصوّر كيف أنّ الإنسان لم يكن في لحظة واحدة من حياته في منأى عن مراقبة أحد: هو مراقِب ومراقَب في الوقت نفسه. ولا فرق إن كانت المراقبة دليل اهتمام ورعاية أو لإمساك الآخر بالجرم المشهود. المهمّ أنّك مرئيّ ولكن ليس دائمًا كما تتمنّى أن تكون مرئيًّا.


فكم من مرّة شعر الواحد منكم أنّه غير موجود لأنّ كلّ الذين يعملون معه أو يقيمون حوله لا يرونه فعلاً، ينظرون إليه ولا يرونه، يتغيّر أمامهم ولا يرونه، يصير شخصًا آخر ولا يرونه، يموت ولا يرونه. حينذاك ستتمنّون لو كنتم تحت المراقبة كي لا تأتوا وتذهبوا من هذه الدنيا ولا أحد يعلم بشأنكم. وفي هذا الإطار، تعود إلى ذاكرتي حادثة معبّرة فعلاً عن أنّنا لا نرى الذين يعيشون معنا بل نراقب في دقّة من لا يفترض فيه أن يعنينا في شيء: فقد أوصل الرجل الستينيّ زوجته عند مزيّن الشعر وانطلق في سيّارته على أن يعود لاصطحابها بعد وقت محدّد سلفًا. عندما عاد الرجل وجد زوجته في انتظاره، وما أن صعدت إلى السيّارة حتى بادرها بالثناء على تسريحة شعرها. نظرت إليه الزوجة وقالت بعد وقت: لقد قصصته قليلاً. فردّ الرجل كأنّه يدفع تهمة: لقد لاحظت ذلك والقَصّة الجديدة تليق بك. فأضافت الزوجة: واللون؟ هل أعجبك؟ لقد لوّنت شعري بلون جديد هل تعتقد أنّه يليق بعمري؟ فخطف الرجل نظرة سريعة إلى رأس زوجته قبل أن يعيد تركيز انتباهه على الطريق، وقال: جميل جدًّا، كنت أسأل نفسي عمّا تغيّر فيك. فسكتت المرأة للحظات وقالت وهي تبتسم في محبّةٍ عمّقتها عشرة العمر، وقالت له: يا عزيزي، من الواضح أنّك لم تنظر إليّ منذ زمن، فمزيّن الشعر اضطرّ إلى التغيّب، وكلّ ما فعلته في انتظار عودتك هو أنّني طلبت من مساعده أن يغسل شعري ويجفّف خصلاته الأماميّة، وحجزت موعدًا آخر لقصّه وتجديد لونه.

ليست هناك تعليقات: