الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 10 أكتوبر 2009

التربية في الأمثال اللبنانيّة الشعبيّة



تميل التربية في الأمثال الشعبيّة اللبنانيّة إلى الشدّة والقسوة، وتميّز في شكل فاضح بين الصبيان والبنات إذ تعتبر تعليم الصبيان واجبًا في حين أنّ للفتيات الأعمال المنزليّة. ومع ذلك فـ"مربى البنات خسارة"، إمّا لأنّهنّ لا يستفدن من ذلك لغلاظة أذهانهنّ أو لأنهنّ سيتزوّجن وسيكون استثمار التربية فيهنّ خاسرًا بالنسبة لأهاليهنّ. ومع أنّ لبنان كان سبّاقًا في فتح أبواب المدارس للفتيات، إلاّ أنّ التربية في معناها الفطريّ بقيت في منظور الناس حكرًا على الصبيان مع العِلم أنّ المثل يقول: "ترباية الصبيان متل تقرقش الصوّان" أي أنّ ذلك صعب ومتعب.
وتبيّن الأمثال المتداولة العلاقة الوثيقة بين التربية بمعناها الأخلاقيّ الأدبيّ أي التهذيب واللياقة وحسن التصرّف، وتدريس الدين والعلوم والآداب والفلسفة والفنون. وفي ذلك ما يؤكّد على أنّ نموّ الشخصيّة المتكاملة مرتبط في أذهان الناس بكلا الجانبين كأنّهما وجهان لعملة واحدة. ولذلك نجد أنّ المجتمع الذي يعتبر أنْ "لولا المربّي ما عرفت ربّي" يعترف علنًا بأنّ للمربّي شأنًا كبيرًا في توجيه تلاميذه نحو الإيمان القويم فضلاً عن سائر أنواع المعرفة، ولذلك على المعلّم أن يقدّر دوره لأنّ المثل يقول: "بيكفي التلميذ يكون متل معلّمو" ومع ذلك لم يستنكر الناس أنّ يتفوّق التلميذ على معلّمه فقالوا "كم من تلميذ فاق معلّمه".
ولكي تكون التربية فاعلة ومفيدة يجب أن تبدأ منذ سنوات الطفولة لأنّ "العلم في الصغر كالنقش في الحجر" لا يزول ولا تمحوه السنون. ولذلك قال الناس: "اللي ما بيربّي زغير ما بيلاقي كبير"، وردّدوا قول المثل: "ربِّ إبنك بتلاقيه"، لأنّ التربية ترفع من شأن الإنسان وتجعله ذا قيمة ومستوى والمثل يقول: "الطير المربّى غالي". ولكي تكون هذه التربية مثمرة وتعطي النتائج المرجوّة يجب أن تقترن بالحزم الأقرب إلى القسوة، فكان المثلان "العصا بتعلّم الدب يرقص" و"العصا لمن عصا" خير دليل على أنّ الضرب وسيلة ناجحة، ثمّ أكّدوا على ذلك بمثلين آخرين وقالوا ناصحين "اللي ما بيقسّي قلبو ما بيربّي ولدو" و"بكِّ إبنك أحسن ما تبكي عليه". وأثنوا على الولد المؤدّب الذي يعترف بجميل من ربّاه حسب هذا الأسلوب وهو يردّد شاكرًا: "الله يرحم اللي بكّاني ولا يرحم اللي ضحّكني".
وفي التمييز بين طريقتي الأب والأمّ في التربية أوضح الناس أنّ للأب قلبًا وللأمّ قلبين، ولذلك يعهد المجتمع بالتربية الحازمة للوالد المؤتمن على هذا الواجب، وقالوا له لتسهيل المهمّة عليه على اعتبار أنّ له قلبًا يشعر مع أولاده: "أدّب الكبير بيتأدّب الزغير". غير أنّهم اعتبروا أنّ الأبوّة الحقيقيّة هي التي تولي التربية الشأن الأوّل ولا تكتفي بالوظيفة البيولوجيّة أي الإنجاب، فـ"الأب من ربّى لا من خلّف".
ومع ذلك، ثمّة من نصح بتخفيف وطأة القسوة وقال للفريق الأوّل: "من أطاع عصاك فقد عصاك" و"كترة الشدّ بترخي"، و"إبنك ما تعلّمو، الدهر بيعلّمو" على اعتبار أنّ التجربة الشخصيّة أكثر نفعًا من كلّ المواعظ والضرب بالعصي. ولكنّ ذلك لا يعني غضّ النظر والإهمال وترك الحبل على غارب الولد لأنّ "الترباية نطارة مش شطارة" أي أنّ القاعدة الأولى في التربية لا تقوم على البراعة في إطلاق النظريّات التربويّة بل في الاهتمام والمراقبة وتكريس الوقت والجهد وإلاّ صحّ المثل القائل "شرايتو ولا تربايتو" وفي ذلك يتساوى الأولاد مع سائر السلع التي صرنا نشتريها ولا نتعب أنفسنا في إعدادها وتحضيرها.
على كلّ حال، التناقض في نظرة الأمثال الشعبيّة اللبنانيّة إلى التربية يشبه التناقض الفاضح في الأساليب التربويّة الحديثة وهي من كلّ مدرسة ومذهب وحضارة. وهذا أمر تفرضه طبيعة الأولاد والمجتمع والعصر. ولا بأس من الاستفادة من خبرات القدماء والمحدثين في المجال التربويّ شرط ألاّ يتحوّل أولادنا فئرانًا في مختبرات العلم.

ليست هناك تعليقات: