الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 19 أكتوبر 2009

ومن يعنيه أمر التاريخ؟



ما رأيكم في هذه العبارات: التاريخ لن يرحم هذا الزعيم، التاريخ سينصف ذلك القائد، التاريخ سيسجّل لفلان مواقفه المشرّفة، وعلى فلان مواقفه المشينة...وما إلى ذلك من كلام يختلط فيه الترغيب بالترهيب؟ بربّكم، هل هناك حقًّا من يعبأ بأمر التاريخ، ومتى فعل ذاك الزعيم ما يريده، ومتى نفّذ ذلك القائد ما في رأسه، فهل سيعنيهما فعلاً ما سيسجّله التاريخ لهما أو عليهما؟
ها هو تاريخ البشريّة أمامنا، نقرأه ونضع علامات الاستفهام حول ما ورد فيه، وننتظر كلّ يوم مفاجأة جديدة قد تنسف كلّ "الحقائق" التي كانت من المسلّمات غير القابلة للجدال. وإذا كان التاريخ المعروف يحمل كلّ هذه الهشاشة، فكيف بما غاب عنّا ممّا جرى منذ بداية العالم؟ لا شكّ في أنّنا عرفنا شيئًا وغابت عنّا أشياء، وبالتالي فثمّة الكثير الكثير ممّا لا نعرفه، وما نعرفه لا نثق في صحّته. ومع ذلك يخيف بعضنا البعض الآخر من التاريخ، التاريخ نفسه الذي يكتبه المنتصرون ويمحوه المنتصرون.
ولذلك ففي لبنان لا يوجد كتاب للتاريخ، إذ إنّ قاعدة لا غالب ولا مغلوب جعلت من المستحيل كتابة تاريخ واحد يُجمع عليه كلّ الأفرقاء، ولذلك كان المخرج اللائق هو عدم كتابة تاريخ لم يتمّ الاتفاق على أصوله وفروعه وأبطاله وشهدائه وجغرافيّته. ولذلك قلنا لأولي الأمر (عبر صحيفة النهار اللبنانيّة): يا جماعة دعونا نكتب التاريخ المتّفق عليه: تاريخ العلم والفلسفة والفنّ التشكيليّ والغناء والمسرح والشعر والزجل والتلفزيون والعمارة والزراعة والصناعة والأزياء والرقص والفولكلور والرياضة، غير أنّ الجماعة خافوا من أن تصل القراءات المختلفة لتاريخنا إلى هذا الجانب الإبداعيّ فتزرع فيه الأحقاد والضغائن فتجاهلوا النداء واستمرّ تلاميذنا على جهلهم، يعرفون كلّ ما تبدعه المخيّلة الأجنبيّة من حسنات وسيّئات وتغيب عنهم تمامًا قدرات أبناء بلدهم الفكريّة والفنيّة والعلميّة.
ومن المخيف أن تكون ذاكرة الحرب عندنا هي الأكثر نشاطًا على صعيد التأريخ، فالآباء ينقلون لأولادهم تجاربهم وحروبهم وبطولاتهم وأحقادهم ويغذّون فيهم العنف والغضب والرغبة في الانتقام والثأر، ما يجعلنا نخشى الدوران من جديد في حلقة من الحروب لا نعرف متى تنتهي. ولذلك وعلى الرغم من عمل دؤوب تقوم به الجمعيّات الأهليّة في المجتمع المدنيّ من أجل محو آثار الحرب نشعر بأنّ جمرًا ملتهبًا يختبئ تحت رماد الهدوء الإقليميّ الحذر، وكلّ خشيتنا من أن تهبّ العاصفة من جديد لتضيف فصلاً جديدًا إلى فصول معاناتنا.
ومن المؤكّد أن لا أحد من زعمائنا سيخاف عند ذلك من التاريخ الذي يقال إنّه لا يرحم، لأنّه سيكون مشغولاً بمخاوف أكثر واقعيّة.

ليست هناك تعليقات: