الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 9 أكتوبر 2009

سهران بطقّة الضهر



نشرت صحيفة "السفير" اللبنانيّة دعوة إلى أمسية شعريّة يحييها الزميل الشاعر والإعلاميّ زاهي وهبي، وذلك في إحدى المدارس اللبنانيّة. واللافت في أمر الدعوة، والطريف في الوقت نفسه، هو أنّ موعد هذه "الأمسية" هو...الساعة الواحدة من بعد الظهر.
طبعًا الخطأ غير مقصود، ولكنّه يعبر عن ارتباط الشعر في بال كلّ واحد منّا بالليل، كأن من غير المتوقّع أن يدعى الناس للاستماع إلى الشعر في وضح النهار، ولذلك افترض محرّر الخبر في الصحيفة أنّ كلّ لقاء مع الشعر هو "أمسية شعريّة"، وبالتالي لم ينتبه إلى أنّ الموعد هو بعد الظهر بقليل. فصحّ في اللقاء ما قاله السكّير في مسرحيّة "سهريّة" لزياد الرحباني حين روى ما وقع معه قائلاً: كنت سهران بطقّة الضهر، ففي حالة السكر يتساوى الليل بالنهار وتضيّع عقارب الساعات اتجاهاتها ويصير من حقّ السكران أن يقول إنّه كان ساهرًا في عزّ الظهيرة، وكأنّ شرب الكحول، كالشعر، مرتبط بالليل.
أفعال الإنسان التي تتمّ في الليل عادة نوعان:
السرقة والقتل والتهريب والتآمر وسوى ذلك من الأعمال السيّئة التي يريد الإنسان أن يقوم بها تحت جنح الظلام كي لا يراه أحد لأنّه يعرف أنّها مرفوضة.
والصلاة والحبّ والشعر وأعمال الإحسان وغيرها من الأفعال الجميلة التي يفضّل الإنسان أن تبقى له دون سواه لا خجلاً بل حفاظًا على ما يقال عنه في اللغة الفرنسيّة "الحديقة السريّة" أي الحيّز الخاص الداخليّ الحميم الذي لا نريد أن تعبث به عيون الناس أو أيديهم أو ألسنتهم.
فصلاة الليل مناجاة تهرب من صخب الحياة، يخشع فيها المرء أمام أسرار الوجود مفتّشًا في إغماضة عينيه عن النور الذي لا ينطفئ، والحبّ الذي لا يتعب، والفرح الذي لا يذبل.
وهمس الحبيبين يختبئ تحت عتمة ليل لا قمر فيه، ليعلن في صمتٍ شوق الإنسان إلى أليفه وتوأمه وشقيق روحه، وليضمّا في لقاء أيديهما وعناق ذراعيهما العالم كلّه.
والشعر ابتعاد عن التفاصيل النهاريّة الفاضحة، تختفي في عالمه صغائر الأمور، ويضمحلّ تحت سطوته صغار النفوس، ولا يبقى إلاّ سموّ الكلمات وغواية المعاني وسحر الموسيقى.
وأعمال البرّ والإحسان تتستّر بالظلمة كي ترفع الظلم عن محتاج إلى الطعام والدفء والأمان.
"الليل ستّار العيوب" نقول في لهجتنا اللبنانيّة، لأنّه يستر ما لا يجب أن يُرى ويُعرف، ولأنّ مجيئه هو موعد انطلاق العيوب من أحزمة العفّة والتعقّل، ومع تسلّل عتمته تخرج كائنات العوالم الغامضة من معاقلها، ويخاف الناس على أرواحهم وعقولهم وأجسادهم، من اللامنظور منها ومن المنظور على حدّ سواء، إذ يتوحّد مصدر الخوف وتتساوى الوحوش والأرواح والناس في نزعة الشرّ.
ولأنّ "كلام الليل يمحوه النهار"، يخجل الناس ممّا فعلوه في الليل ومن بوحهم وصدق مشاعرهم، بخيرها وشرّها، ومن غرائزهم التي تخلّصت من سطوة القانون والدين والأخلاق لتعبّر عن حقيقتها. لذلك يتراجع كثير من العشّاق عن وعود قطعوها في الليل، وكلمات انطلقت منهم بلا رقيب، ورغبات فضحوها وهم لا يعون ماذا يفعلون. ألذلك ربّما ارتبط اسمه بالعين التي تفضح صاحبها في مواويلنا المتفجّعة حين نتأوّه قائلين: يا ليل، يا عين؟ أم هو التخيير بين الليل الذي لا يرى والعين التي ترى؟
وهذا ما يدفع بعضهم إلى تأجيل أمورهم الدقيقة إلى الصباح وهم يقولون" الصباح رباح" على اعتبار أنّ الربح مضمون في ضوء النهار حين يعود الإنسان إلى العقل الذي يرى ويسمع ويفكّر ويدقّق ويحاسب، أو على الأصحّ حين يعود العقل إلى قاعدته سالمًا.
ومع انتشار حكايات الأطفال ذات الجذور الغربيّة ارتبط الليل أكثر فأكثر بالممنوع والمحرّم، فـ"عقلة الإصبع" تركه والده في الغابة ليلاً، و"سندريلاّ" كان عليها أن ترجع إلى البيت قبل منتصف الليل وإلاّ عادت إلى حقيقتها وانتهى السحر. ولهذا ربّما صار الآباء والأمّهات يطلبون من بناتهم (البنات تحديدًا) العودة من السهرة قبل الساعة الثانية عشرة ليلاً، كأنْ لا يمكن أن ترتكب "الخطايا" إلاّ بدءًا من تلك الساعة.
سؤال: لماذا لم يستدعوا أبناءهم إلى البيوت لئلاّ يشكّلوا خطرًا على الفتيات؟

ليست هناك تعليقات: