الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 15 أكتوبر، 2009

عن المحبّة والمعرفة والشجاعة



المحبّة بلا معرفة قاتلة، والمعرفة بلا محبّة قاتلة، والمحبّة بلا شجاعة سراب، والشجاعة بلا محبّة إجرام.
ربّما هذه هي الخلاصة التي يتوصّل إليها الإنسان إذا صمت لبعض الوقت، بعيدًا عن صخب السياسيّين وغباء المسيّسين، واستمع إلى التناقض بين القول والفعل في كلّ ما نفعله. فكلّنا مثلاً مؤمن بأنّ محبّة الأمّهات أولادهنّ لا حدود لها، ومع ذلك فإنّ هذه المحبّة قاتلة إن لم تقترن بالمعرفة التي من دونها لن تستقيم التربية ولن تصحّ العلاقة بين الأمّهات وفلذات أكبادهنّ، وكم من مخاطر تعرّض لها الأولاد بسبب جهل أمّهاتهن أبسط قواعد الرعاية والعناية، والتمسّك في المقابل بالعادات والتقاليد البالية في شؤون معالجة الأمراض وحلّ المشاكل. وفي المقابل، معرفة الطبيب قاتلة كذلك إن لم تقترن بمحبّة الإنسانيّة، وكم مرّة تحوّل المبضع خنجرًا والدواء سمًّا في يد طبيب ألهاه السعي إلى الشهرة والثراء عن الاهتمام بالمرضى ورعايتهم. وكم من حاكم أحبّ وطنه لكنّه لم يعرف كيف يسيّر شؤونه، وكم من خبير في تسيير شؤوننا يكرهنا ويقودنا إلى الخراب.
والمحبّة بلا شجاعة سراب. فمن حالة العشق الفرديّة إلى مشاعر الأمومة والأبوّة والأخوّة، إلى محبّة الحبيب والصديق والجار والعمل والوطن، كلّ هذه الأنواع من المحبّة لا تنتج شيئًا إن لم تقترن بالشجاعة، شجاعة القول والعمل، شجاعة المبادرة واتخاذ القرار، شجاعة الشدّة عند الضرورة واللين عند اللازوم، وإلاّ كانت المحبّة ثرثرة جوفاء لا تطعم جائعًا ولا تعين محتاجًا ولا تنقذ مريضًا ولا تخفّف عن حزين، لأنّ من صفات المحبّة القدرة على الفعل لا الانفعال، والمواجهة لا الهرب، والالتزام لا الإلزام. ولكنّ الشجاعة من دون محبّة إجرام قد يطال الشخص نفسه، فالبعض يعتبر الانتحار عملاً شجاعًا، ولكن لا أحد يستطيع إنكار الكراهيّة التي تدفع إلى ذلك: كراهيّة الإنسان نفسه والآخرين والحياة. وعلى الرغم من المصطلحات الكثيرة التي يمكن ربطها بالانتحار ولا تصحّ عليها كلمة "كراهية" إلاّ أنّ اللغة العفويّة التي يستعملها من يتحدّث عن انتحاره تدور حول الكلمة المفتاح: "صرت إكره كل شي". وكذلك الشجاعة في مواجهة الآخرين التي تتحوّل متى تخطّت دوافعها وحدودها وأهدافها إجرامًا لا يوفّر أحدًا. وهذه حال من يعتبر نفسه شجاعًا وهو في الواقع متهوّر لا يحبّ إلاّ نفسه، أو ظالم أو غبيّ لا يقدّر نتيجة أعماله ولا يعرف ما قد تتركه من آثار مدمّرة. والمحبّة وحدها قادرة على ضبط ميزان الأمور وإعادتها إلى مسارها الصحيح.
وإذا حاولنا أن نطبّق هذه المعادلة الثلاثيّة العناصر على واقعنا العربيّ، بمستوييه الشخصيّ والعامّ، فسنجد أنّ كلّ واحد منّا وفي شكل شبه دائم عاجز عن إيجاد التكامل: فهناك المحبّ المتفاني غير أنّه لا يعرف كيف يعبّر عن حبّه (محبّة من دون معرفة) فلا قيمة لمشاعره إذًا ولا فائدة منها، وهناك المحبّ المخلص غير أنّه يخشى التعبير عن عواطفه (محبّة من دون شجاعة) لأنّه يخاف الصدّ أو لأنّه يظنّ أنّ التعبير عن هذه المشاعر علامة ضعف لا يقبله لنفسه، وهناك العالِم العارف الذي يستخدم معرفته للشرّ والأذى (معرفة من دون محبّة) ويسخّرها لتدمير كلّ من حوله، وهناك الشجاع الذي يواجه ويتحدّى ويستخدم قدراته لفرض الظلم لا لصدّه ولنشر الرعب لا الاحترام ولهدم الهيكل على كلّ من فيه (شجاعة من دون محبّة). ولعلّ فشلنا على الصعيدين الإنسانيّ والحضاريّ يعود إلى هذا الخلل.

هناك تعليق واحد:

SyrianGavroche يقول...

رائعة.. جميلة جداً

أعجبني الربط بين المحبّة و المعرفة, و لي نصّ قديم مشابه في الفكرة


تحية