الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 1 مارس، 2012

"خيانات اللغة والصمت" لـ"فرج بيرقدار"



كتابات سجناء الفكر المطلق سراحهم من السجون السوريّة تدفعنا إلى الخجل. شخصيًّا، أشعر بخجل مضاعف حين يكون عليّ أن أوافق على أنّ بقاء نظام فيه مثل هذه السجون أفضل لي كمسيحيّة مارونيّة، "قد" لا يكون لها مكان في الشرق الجديد. كم مهين هذا الذي يُطلب منّي! لكنّه بالتأكيد لا يصل إلى ما يتعرّض له السجناء في السجون العربيّة!
فرج بيرقدار، في "تغريبته في سجون المخابرات السوريّة" أعاد تحريك هذه المسألة التي سبق وكتبت من وحيها مقالة عن زينب حصني. يومذاك تساءلت إن كانت مسيحيّتي تقبل أن يتعذّب الآخرون لأبقى أنا. ولماذا عليّ أن أختار بين شرّين: نظام حاليّ يعذّب مواطنيه في السجون، ونظام لا نعرف بعد كيف سيكون لكنّه قد يضطهدني وأبناء طائفتي. صحيح أنّ أحدًا لن يأخذ برأيي، ولن يستجيب لي إن اخترت أهون الشرّين، لكن أنا كيف سأتعامل مع الوضع؟ وماذا أفضّل؟
"خيانات اللغة والصمت" الصادر في طبعته الثانية عن دار الجديد، ينكأ جراح الذاكرة التي كانت تفضّل أن تنسى. ذاكرتنا نحن الذين قال الكاتب لكلّ واحد منّا في نهاية بوحه: "وأمّا أنت... بلى أنت... فكم يخجلني صمتك!" (ص162). معه حقّ! نحن اخترنا ألّا نرى أو نسمع أو نعرف! وحين يقع بين أيدينا صدفة كتاب عن يوميّات سجين في معتقلات الأنظمة العربيّة، نقرأ (من باب الثقافة)، نتفاعل (عظيم! لا يزال فينا بعض طيبة)، نغضب (أكثر من رائع!) ثمّ نطوي الكتاب (برافو) ونحن نلعن هذه الأمّة العربيّة (يا للإنجاز الكبير!). وقد ننجرف ونكتب بضع كلمات من وحي المناسبة قبل أن ننصرف لفتح صفحة جديدة، في كتاب جديد أو في حياة أخرى لا سجون فيها ولا تعذيب! ولكن ماذا في إمكاننا أن نكتب بعد قصص السجون التي تجعل رجلًا يقول: "خذ أيّ شيء... خذني كاملًا...أعني ما تبقّى منّي كاملًا مقابل تبرئتي من فضيحة كوني إنسانًا، من فضيحة كوني قاتلًا أو قتيلًا" (ص161).
في الصفحة الأولى (ص 7) قرأت أنّ ما بين أيدينا كتب على ورق السجائر...في الحقيقة ابتسمت وأنا أفكّر: في النتيجة سيبقى السجن المكان الوحيد المسموح فيه بالتدخين. هذا أوّلًا. ثانيًا: لم أسمع شخصيًّا بسجين مات من كثرة التدخين. ثالثًا: تخيّلوا أن يقرأ معتقل بسبب أفكاره الفكرة التي تفتّقت عنها عبقريّة الدول التي تحبّ شعوبها: التدخين يضرّ بالصحّة!
في الصفحة 8 أقرأ: البحث عن الذات (في السجن طبعًا) والقبض عليها داخل الزمن مسألة وجود أو لا وجود. وأتساءل: لماذا يريد من اعتقل وعذّب أن يبحث عن ذاته، بل أن يوجد بين شعب يحيط بالسجن ولا يقتحمه! صراحة لا أعرف إن كان لا يزال في الإمكان إنقاذ هذا المجتمع!
في الصفحة 9 أقرأ: "سلخني أحدهم بكرباج في منتهى الأمّيّة"... تخيّلوا هذه المرتبة "في منتهى"! كأنّ للأمّيّة مراتب كما في النظام العسكريّ. هل هي صورة بيانيّة من باب المجاز فيكون المقصود هو حامل الكرباج؟ وهل الآن وقت صور ومجاز؟ أم ما يجري في السجون يفوق التصوّر ولا يمكن التعبير عنه إلّا مجازيًّا؟
في الصفحة 10 أقرأ: "قبل الاعتقال كان "الأمس" بالنسبة إليّ ذكريات ملوّنة وراعشة ومتموّجة كأجنحة الفراشات، وكان الـ"هناك" غموضًا مثيرًا بأسراره... بعد إطلاق السراح يصير "الأمس" كابوسًا، والـ"هناك" لعنة، وأنت من حيث تدري ولا تدري، تحاول أن تمضي بهما حثيثًا إلى ما يشبه النسيان."
حين نغيّب المكان والزمان ألا نكون قد دخلنا في الموت؟
يبدو لي أن تدخّلي في تغريبة فرج بيرقدار في السجون السوريّة باتت تفرض عليّ الصمت لأفسح المجال لشاعر أدرك أنّ الشعر بالنسبة إليه هو طائر الحريّة الأجمل (ص12).
اقرأوا الكتاب، فسوف يفاجئكم أنّكم ستضحكون وأنتم تقرأون فنون التعذيب، لأنّكم لن تصدّقوا ماذا يمكن لجنون الإنسان أن يفعل ويقول: ستضحكون من كلمات السجّان الذي يدافع عن رئيس بلاده (ص42) إذ يخيّل إليكم أنّكم أمام مشهد كاريكاتوريّ في مسرحيّة هزليّة ساخرة، ستضحكون حين يقول سجّان لمساجين أضربوا عن الطعام: اصطفلوا أنتم أحرار! ستضحكون حين يقول آمر السجن للمساجين أن لا أحد بريء إلّا وسيطلق سراحه ولو بعد مئة سنة، لأنّ الدولة لا تظلم أحدًا! ستضحكون فعلًا لأنّ الضحك وحده قادر على إنقاذكم من الخجل!
***
من الكتاب:
-       طار نومي...وطال نومكم...تصبحون على أسئلة. (ص18)
-       لم أكن أعتقد أنّك تستطيع الموت إلى هذا الحدّ. (ص27)
-       أغمضت أمّنا الدنيا عينيها، وصكّت أسنانها، وانزوت في الركن الأبعد من باحة التشريفة (حيث التعذيب)، مديرة ظهرها لأمواج متدافعة من الأصوات الممزّقة بين الصراخ والعواء، وما يشبه الولاويل. (ص46)
-       أن يبتلع الفأر إنسانًا... يبدو لي أسهل من أن يبتلع الإنسان فأرًا (أحد أساليب التعذيب). (ص52)
-       أحيانًا أفكّر أنّ الفارق بيننا كسجناء كاملي العضويّة، وبينكم كسجناء مرشّحين أو احتماليّين، هو في موقع الكابوس، وليس في وجوده أو عدمه./ بالنسبة إلينا فإنّ الكابوس في داخلنا. أمّا أنتم فإنّكم داخل الكابوس. (ص112)
-       وحدهم الموتى لا يغيّرون... إلّا أنّ التفكير بالنسبة إليّ شرط ضروريّ للتغيير... والحريّة شرط ضروريّ للتفكير. (ص141)
-       لحمي ولا حلمي...أضحّي بالأوّل من أجل الثاني. (ص149)
-       لا أريد أن أستفزّ أحدًا، ولكن صدّقوني أنّ أيّ سجين هنا يستطيع أن يشتم أيّ نبيّ، إذا عرف أنّ حدّ شتيمة الأنبياء في تاريخنا القديم هو مئتان وستّون جلدة فقط لا غير". (ص152)
-       السجن ذكورة افتراسيّة قصوى، والحريّة أنوثة رحمانيّة قصوى. (ص154)
***
فرج بيرقدار
-       شاعر وصحافيّ سوريّ من مواليد حمص 1951.
-       كان اعتقاله آخر مرّة بسبب انتمائه إلى حزب العمل الشيوعيّ في 31 آذار 1987 بعد مدّة من التخفّي والملاحقة دامت حوالى أربع سنوات.
-       بعد ستّ سنوات من التوقيف، أحيل إلى محكمة أمن الدولة العليا بدمشق (وهي محكمة استثنائيّة) فأصدرت بحقّه حكمًا بالسجن خمسة عشر عامًا مع الأعمال الشاقّة والحرمان من الحقوق المدنيّة والسياسيّة.
-       بعد أربعة عشر عامًا من الاعتقال، قضاها ما بين فروع الأمن وسجن تدمر الصحراويّ وسجن صيدنايا العسكريّ، أفلحت الحملة الدوليّة المطالبة بالإفراج عنه في حمل السلطات السوريّة على ذلك.
-       له عدد من المؤلّفات المنشورة، وقد حاز العديد من الجوائز.

ليست هناك تعليقات: