الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 17 مارس، 2012

الإعلام حين يبتعد عن الاحتراف والمهنيّة



    تتغيّر الأسماء، يتغيّر سبب الانفعال، ويواصل الإعلام عمله بعيدًا عن الموضوعيّة، ونريد مع ذلك أن نكتب تاريخًا موحّدًا... وتبقى المقالات صالحة للقراءة، لا يمرّ عليها الوقت...

صحيفة البلاد البحرينيّة - شباط 2009
     تنزلق اللغة الإعلاميّة في لبنان إلى أسفل دركات الانفعال والتشبّث بالرأي، وتنضح بما في نفوس بعض الإعلاميّين من كبت وحقد ومرارة ما يجعلها أداة تخريب وتدمير ليسا من طبيعة الأخلاق المهنيّة ولا من شروط الاحتراف. ولعلّ الحلقة الأخيرة من برنامج "بكلّ جرأة" الذي تبثّه المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال وتقدّمه الإعلاميّة مي شدياق، وما تلاها من تعليقات في الصحف دليل واضح على المنزلق الخطير الذي وصل إليه إعلاميّونا.

     إنّ القراءة الهادئة لهذه الحلقة التي انتهت بإعلان مي استقالتها تبيّن أنّ ما جرى بعيد عن الاحتراف والأصول المهنيّة، ولا يخفّف من ذلك كون الإعلاميّة مي الشدياق هي الشهيدة الحيّة التي دفعت نصف جسمها ثمنًا لمبادئها. إذ لا بدّ لمي من أن تميّز بين البيت والمؤسّسة، وأن تتذكّر أنّ المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال وإن كانت نقطة انطلاقها المهنيّ ليست بيتها الخاصّ ولا يجوز أن تتصرّف فيها بالانفعال الذي كانت عليه خلال الحلقة الأخيرة، لا بل خلال أكثر الحلقات التي قدّمتها بعد الإصابة.
  
    طبعًا لمي شخصيّتها وأسلوبها في إدارة الحوار وآراؤها الخاصّة وأهدافها السياسيّة، وليس من المنطقيّ أن يطلب منها أن تكون على غير ما هي عليه، لكن من حقّنا أن نطلب منها أن تحتفظ بالحقّ الأدنى من الهدوء والموضوعيّة والإصغاء والحوار ما دامت قبلت التحدّي وعادت بسرعة قياسيّة إلى متابعة عملها بعد تعرّضها لمحاولة الاغتيال. وبغضّ النظر عن رأي كلّ منّا في أداء مي الإعلاميّ إلاّ أنّنا لا نستطيع إلاّ أن نحترم تضحيتها وجرأتها في العودة إلى الشاشة ولم تكن قد تعافت بعد من جراحها ولا شفيت من هول ما أصابها. فلا يحصل كلّ يوم أن نرى سيّدة جميلة ومثقّفة تتعرّض لما تعرّضت له مي وتبقى مصرّة على المضيّ في نضالها كما اختارته هي وكما فهمته. فالواحد منّا يتعرّض لما هو أبسط من ذلك بكثير ويعجز عن حمله والتعايش معه، فكيف يكون الحال إذًا مع امرأة اكتشفت في لحظات قليلة أنّها فقدت ذراعها وساقها وأنّها لن تعود إلى ما كانت عليه ولو أجرت عشرات العمليّات الجراحيّة.

     ربّما أخطأت مي في العودة إلى العمل الإعلاميّ وهي لم تشف بعد من الآثار النفسيّة لوضعها الصحيّ، وربّما كان على المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال أن تنصحها بأخذ مزيد من الوقت يسمح لها باستيعاب ما حصل، وربّما تعبت مي من العمليّات الجراحيّة وحفلات التكريم والسفر والمقابلات وتأليف كتاب ونيل الدكتوراه، ولكن هذا شيء وأن تكون مسؤولة عن تقديم برنامج سياسيّ حواريّ على الهواء مباشرة شيء آخر مختلف تمامًا إذ فيه الكثير من المسؤوليّات والتحديات خصوصًا أنّ الناس في غنى عن هذا الجوّ المشحون بالغضب والتشنّج. 

     ولكنّ الإعلاميّين الذين شمتوا بمي وشتموها بعد إعلان استقالتها وسخروا من تصرّفاتها وأقوالها ودموعها لم يتصرّفوا إلاّ كما فعلت هي: انفعال وصل إلى حدّ الحقد والسخرية والهزء. وإذا كان عذر مي هو في ما أصابها من تشويه وألم فما هو عذر الآخرين؟ وهل بهذا الأسلوب يكون النقد؟ وهل بهذه اللغة تعالج أمور الإعلام والسياسة؟ وهل يكون الجنديّ في ساحة المعركة أكثر رحمة وإنسانيّة من الإعلاميّ، فلا يطلق رصاصة الرحمة على عدوه الجريح بل يأخذه أسير حرب ويعامله في احترام وإنسانيّة تنصّ عليهما شرعة حقوق الإنسان؟ ألم يقرأ الإعلاميّون قصيدة سعيد عقل "فخر الدين الثاني" في وصف معركة عنجر حيث قال الأمير لعدوّه قائد التُرك:
                          ما انتهى مصطفى فقال ابنُ مَعِنٍ: "يُعْطِكَ الله، لستَ لي بأسير،
                          أنتَ حرٌ! فطِرْ إلى الشمسِ قلبًا واملأِ العينَ من سنى التحرير"

     أسوأ ما كان يمكن أن ننتظره هو أن تتحوّل الكلمات خناجر في أيدي أهل القلم، وبدل أن يشقّوا الدمل ليشفى الجسم المريض ها هم يقطّعون أوصاله ويتنهاشون لحمه وعلى عظامه يقترعون.

ليست هناك تعليقات: