الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 14 مارس، 2012

درس من الشارع



ما إن نزلت الفتاة من حافلة المدرسة حتّى أجهشت ببكاء مرّ. أمّها التي كانت تنتظرها لتساعدها في حمل الحقيبة الثقيلة أصابها الهلع، وتسارعت الأفكار المريبة إلى مخيّلتها التي جعلها المجتمع حاليًّا متأهّبة لكلّ شرّ وأذى.
ولكنّ الفتاة ذات الاثني عشر ربيعًا حسمت الأمر حين وصلت إلى البيت، وبدأت في الصراخ مطلقة كلمات غير مترابطة، مفادها أنّها لن تعود إلى المدرسة وأنّها تريد الرحيل عن هذا البلد.
في صعوبة بالغة استطاعت الوالدة الحائرة أن تفهم ماذا جرى لابنتها التي تبيّن لاحقًا أنّها شهدت، في هذا اليوم، ما نقلها فجأة من عالمها الورديّ المزيّن بالدمى وصور المغنيات وآخر صيحات الموضة، إلى واقع الشارع المدروز رعبًا وعنفًا وتعدّيات.
وخلاصة الخبر أنّ سائق الحافلة السبعينيّ كاد يصدم فتى يقف إلى جانب الطريق، فجفل الشابّ، ولطم السيّارة غاضبًا معترضًا. فما كان من الرجل العجوز، وأمام عشرات الأعين البريئة الملتصقة بالزجاج فضولًا، إلّا أن نزل من الأتوكار، وهو يحمل عصًا يبدو أنّها موجودة أصلًا لمثل هذه الحالات، وانهال ضربًا على الفتى الذي أخذ يطلق أصواتًا غريبة، ويحرّك يديه في إشارات لا يفهمها إلّا من كان يجيد لغته: لغة الصمّ والبكم.
تجمّع الناس بطبيعة الحال، وأعادوا السائق إلى الحافلة التي قطعت الطريق وجعلت أبواق السيّارات تنطلق معترضة محتجّة رافضة أن يعاق أصحابها عن مواعيدهم. أمّا تلاميذ المدرسة فانزووا في مقاعدهم صامتين خائفين، ينقّلون أنظارهم بين الصبيّ الباكي على قارعة الطريق، والعجوز الذي أوكلت إليه مسؤوليّة إيصالهم إلى بيوتهم آمنين.
وعندما أرادت الوالدة أن تتّصل بإدارة المدرسة لتشكو السائق، منعتها ابنتها المنتحبة، إذ خافت من ردّ فعل العجوز الذي سينقلها كلّ يوم من المنزل وإليه، وخشيت أن يطرد الرجل من عمله. وهي تعلّمت جيّدًا، مذ صرف والدها من العمل، ما معنى أن تعيش العائلة بلا راتب آمن يصل مع نهاية الشهر.
مع نهاية ذلك النهار، هدأت الفتاة قليلًا، ورضيت أن تتناول شيئًا من الطعام، وقامت لتتمّ واجباتها المدرسيّة، وتستعدّ لامتحانات الغدّ، وفي مقدّمها درس التربية المدنيّة الذي تصرّ المعلّمة على أن يحفظ التلامذة مفرداته ومرادفاتها "لأنّها تفيدنا في المجتمع" بحسب تعبيرها.
·        النهار – الاثنين 24 آذار 2003

هناك تعليق واحد:

Sad yasser يقول...

درس من الشارع،و في الجهة المقابلة هناك دروس في المدرسة، و دروس في البيت و أخرى على التلفزيون. و سط هذا الزحام حيث اصبحت الدروس بالمجان سوى في المدارس التي تعطى بمقابل، غير أن هذا الزخم مطبوعا باللاجدوى و التنافر الى حد التعارض.و المؤسف له أن يسكن التناقض دروس الوطنية في مقررات المدارس،نقول بضرورة التعايش و التسامح و نمارس النتذ و العنف داخل المدارس من طرف العاملين و المدرسين.نصر على تلقينهم الحب لكن لا نرى لا نرى من وسيلة لترسيخ ذلك في نفوس النشء سوى بالعنف الرمزي و الجفاء المعنوي.و حيث أن هذا هو حال دروس مدارسنا فأهم الدروس نتعلمها من الشوارع، و تكون أجيال المستقبل "تربية شوارع".
انعم الله مساءك
محمد ياسر سعد