الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 15 مارس 2012

الجنس الجائع والجوع الذي لا جنس له

Miguel Avataneo


في 31 كانون الثاني 1971، كتب أنسي الحاج عن الحريّة الجنسيّة معلنًا خوفه على هذه الحريّة من التشوّه الذي قد يصيبها فقال: "نحن أيضًا من دعاة حريّة الحبّ. وقد اتُهمنا به إلى حدّ اختلاط الفهم على بعضهم. لكنّنا ضدّ الغباوة وضدّ التعهير وضدّ الرخص (وهي غالبًا ما تتسلّل من الأبواب التي تفتحها الحريّة). وعلى طلّابنا الشغوفين بالحريّة أن يدركوا أنّ أيّة تظاهرة من أجل الحبّ يجب أن تنطلق من نقطة الجمال لا البشاعة، لأنّنا، ولأنّهم، لا نريد أن نتخلّص من عبوديّة ما يكبّلنا من خارج لنسقط في عبوديّة ما يكبّلنا من داخل. فهذه ستكون عبوديّة أفظع" (كلمات – الجزء الثاني).
بعد اكثر من ثلاثين عامًا، لا تزال الدعوة قائمة من أجل حريّة الحبّ، ولكن أين الجمال الذي كان عليه ان يرافق هذه الدعوة؟ الكلام كثير عن الجنس اليوم: برامج التوك شو تحاور الشباب في الحريّة الجنسيّة، المحطّات التلفزيونيّة أكانت أرضيّة أم فضائيّة تتحايل على الوقت والمُشاهد لتجد الفرصة لتهريب الجنس المعلّب، والروايات انتقلت من الجنس الغيريّ إلى الجنس المثليّ، ولغة المسرح ما عادت تعرف إلّا التعابير الجنسيّة الطابع والإيحاء، تتساوى في استخدامها الأعمال المسرحيّة الترفيهيّة والجادّة.
ما يُخشى منه في هذا المجال هو عنصرا التقليد والمزايدة، ونعني بذلك أنّ ثمّة "موضة" يسرع الجميع إلى تبنّيها وتقليدها، وكأنّ موجة واحدة تجرف الجميع على حدّ سواء. أمّا المزايدة فنجدها في اللغة التصاعديّة إذ يتبارى الجميع في الوصول إلى الدرجة القصوى من الصراحة والجرأة في طرق المواضيع التي لم يتطرّق إليها أحد. وغالبًا ما يتباهى الروائيّون والمسرحيّون في أحاديثهم الصحافيّة بأنّهم سبقوا الآخرين في استخدام المفردات الجنسيّة الواضحة، أو في تصوير دقائق العلاقة الحسّيّة. ولكن ما غاب عن هؤلاء وأولئك غياب الجمال عن معالجاتهم وتصويرهم فبدت أعمالهم تحديًّا لا يثير العاطفة إلّا للحظات.
الرواية والمسرح هما اليوم من محاور العمل الأدبيّ في الصفوف الثانويّة، ومع ذلك يكاد المدرّسون يعجزون عن إيجاد رواية حديثة أو مسرحيّة جديدة تعالج المواضيع الجنسيّة في جماليّة وشفافيّة شعريّة. لا نريد أن نبعد الطلّاب عن مواجهة الحياة، كلّ ما في الحياة (ووسائل الإعلام الحديثة تنقلها لهم غالبًا في بشاعة)، بل نرفض الطريقة التي تُعرض لهم الحياة فيها. لا شكّ في أنّ في الحياة قبحًا، لكن أليس فيها إلّا القبح لنعرضه في الشكل الأقسى والأعنف؟
ثمّة دعوة اليوم إلى الحديث عن الفقر والفقراء، فهل نتوقّع هجمة بلا معاناة أو تفاعل في اتّجاه الشوارع الفقيرة والحارات المحرومة والبيوت الغارقة في ليلَي العتمة والعوز؟ قد يرغب كثر في تلبية الدعوة مسايرة وإرضاء، أو لحاقًا بتيّار قد يصبح موضة، أو مزايدة في إبداء التعاطف والاهتمام. ولو كان ذلك في خدمة الجمال أو الإنسان لهان الأمر، ولكن يُخشى أن ينتقل الجميع من الجنس الجائع إلى الجوع الذي لا جنس له.
وهناك دعوة أخرى إلى الحديث عن السلطة التي تصير تسلّطًا لا يعدل وعنفًا لا يرحم وقسوة لا تلين. ومرّة أخرى نخاف من هذا الحديث الذي قد يحوّل الجميع عن عبادة الشخص إلى صنميّة جديدة، يكون الرفض إلهها الجديد. والطلّاب، الذين خاطبهم أنسي الحاج بالأمس الذي نظنّه بعيدًا وهو ليس كذلك، يشبههم أولئك الذين يقرأون الدعوة إلى الحديث عن السلطة. وكان لا بدّ من رؤيتهم يوم الاعتصام الذي سبق عيد الاستقلال لنشاهد كيف أنّ الرفض متى انطلق من قمقمه عجز هو نفسه عن معرفة الحدود التي يجب ألّا يتخطّاها.
يبدو أنّ الذين يكتبون لا يصدّقون أنّ هناك من يقرأ، ويبدو كذلك أنّ الذين يكتبون تلبية لدعوة عامّة لا يملكون ما يكفي من الخيال ليعرفوا متى يلبّون الدعوة – إن كان عليهم تلبيتها – وبأيّ لباس عليهم أن يشاركوا في عرس الكلمات. وأشدّ ما نخشاه هو أن يضطر أصحاب الدعوة إلى أغلاق الأبواب (التي تفتحها الحريّة) في وجه المزدحمين المتدافعين وقد وصلت الدعوة إليهم خطأً.
·        النهار – الأربعاء 13 كانون الثاني 2000

هناك 3 تعليقات:

Pascal Assaf يقول...

رائع اسلوبك في وضع الأصبع على الجرح... الخوف أننا أصبحنا في عالم يعتبر الوجع محرد عادة يومية لا تثير فينا الرغبة للبحث عن دواء.

ماري القصيفي يقول...

شكرًا باسكال!
وجع طفل، دمعة عجوز، حسرة أمّ، خيبة أب مصروف من عمله، ليلة طويلة لمريض في المستشفى، عتمة السجن على مخطوف...كيف يمكن أن يصير ذلك كلّه وغيره عادة يوميّة؟
هو خوف حقيقيّ يتحوّل رعبًا إن لم نحاول السعي لإيجاد دواء لكلّ داء!
بكلّ محبّة...

Sad yasser يقول...

مساءوك سعيد السيدة ماري،تغمرني سعادة تكبر كل يوم و أنا اقرأ بين صفحات مدونتك بكل شغف و اتلذذ بطعم العبارة و سمو الاشارة.كم هو جميل ذلك الشعور بالحاجة الى الدفاع عن الجمال في زمن اصبح فيه التدفاع و المزايدة على الخدش و دبح الجنس و الحرية بين سطور طائشة على صفحات الجرائد أو على الاحبال الصوتية في الخطب على المنابر.
اكتشف فيك اليوم شاعريتك المسيحية التي تناضل من أجل عفة، بل فضيلة، حتى يبقى الجنس هو اروع ما نشتهي في حميميتنا الروحية.
بوركت يا ماري الرائعة
محمد ياسر سعد