الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 27 مارس 2012

شعراء للبيع


    "ما آلم أن يضطر الشاعر الجزائريّ أبو بكر زمّال إلى بيع إحدى كليتيه وأن تضطر أمّه إلى الأمر نفسه أيضًا، لئلّا تتشرّد العائلة في الشارع."
    بهذه الكلمات أنهى الشاعر عبده وازن مقالته في جريدة "الحياة" في تاريخ 6 تشرين الثاني 2005

    فعلًا، الأمر مؤلم. ولكن نحن الذين اعتدنا أخبار البيع والشراء، واختبرنا الآلام الجسديّة والنفسيّة، وعرفنا أنواع الفشل والإحباط، وذقنا كلّ أصناف الخيبات وعدم التقدير، لا يؤلمنا هذا الخبر بل نحاول عملاً بنصائح أصدقائنا المتفائلين أن نرى الجوانب المشرقة في الأمر كأن يكتب شاعر كبير كعبده وازن عن الشاعر "أبو بكر زمّال" وأنّ تنقذ كليتا الشاعر وأمّه مريضين يحتاجان إلى هذين العضوين لينجوا من موت محتّم. أمّا أن ننتظر من حكومة عربيّة أن تنقذ شاعرًا من الجوع والتشرّد، وأن يجد شاعر وظيفة تقيه غائلة الحاجة والعوز في صحيفة تدفع له الحدّ الأدنى فهذا ليس من باب التفاؤل بل من باب الأحلام كي لا نقول الغباء.
    ليس الشاعر الجزائريّ حالة استثنائيّة، وهو ليس أوّل شاعر يبيع جزءًا من جسمه لتتابع الأجزاء الأخرى البقاء ولن يكون الأخير.
    ثمّة شعراء باعوا شرفهم وضمائرهم وأقلامهم وأوطانهم ليستمرّوا في الحياة وليؤمّنوا القوت لهم ولعائلاتهم لا بل أنّ بعضهم فعل ذلك ليحافظ على مركزه وشهرته.
    فكم من شاعر غيّر مواقفه السياسيّة ليحصل على ثمن شقّة وسيّارة!
    وكم من شاعرة اضطرت إلى مجالسة – كي لا نقول أكثر - مسؤول عن الصفحة الثقافيّة واحتملت ثقل ظلّه وادّعائه وغروره لتضمن لنفسها مكانًا تنشر فيه شعرها!
    وكم من شاعر خان وطنه ومدح الحكّام الظالمين وأشاد بإنجازات الطغاة السفّاحين وهلّل للمحتلّين المغتصبين ليظهر على شاشات التلفزيون ولتتحدّث عنه الصحف!
    وكم من شاعر باع مكتبته التي أمضى العمر في جمع كتبها وترتيب أقسامها وتبويب عناوينها مع كلّ ما تحمله من ذكريات وتوقّعات ليردّ عن نفسه وعن أهل بيته الجوع والفقر!
    وكم من شاعر باع أجزاء من قلبه في قصائد ودواوين أكلها الغبار فوق رفوف المكتبات ولم تجد من يضمّها إلى قلبه ويحملها إلى بيته!
    الشعراء للبيع بالجملة والمفرّق. ولكن قبل ذلك على كلّ شاعر لم يحسن التجارة بشعره ولم يعرف كيف يصبح نجمًا يقبض ثمن كلماته ذهبًا أن يركع أمام والديه وزوجته وأولاده معتذرًا ومستغفرًا نادمًا.
    عليه أن يعتذر عن الفقر الذي أوصلهم إليه، عن ثمن كلّ كتاب وجريدة ومجلّة دفعه ليصير مثقّفًا محترمًا فإذا به يتسوّل ثمن الدواء والرغيف، ولو جمع ما دفعه في المدارس والجامعات لما كان احتاج إلى أحد.
    عليه أن يعتذر لأنّه ظنّ أن العالم الذي بناه في مخيّلته يصلح لهذه الحياة، وأنّ الأحلام التي رسمها قلمه لن تعرف المرض والجوع، وأنّ الكلمات التي قطفها من سابع سماء ستردّ البرد وتنشر الدف والأمان.
   عليه أن يعتذر لأنّه لم يختر مهنة أخرى يحتاج إليها المجتمع وتفخر الأمّهات بكونه صهرًا "يسند الظهر" فلا يضطر إلى بيع أعضاء جسمه لتبقى الأعضاء الأخرى.
    عليه أن يعتذر لأنّه شاعر لا يعرف من أين تؤكل الكتف فأكله الشارع.
    الشعراء للبيع! ولكن من يريد أن يشتري شاعرًا في زمن لا يقرأ فيه أحد الشعر. ولذلك من الطبيعي أن يبيع هذا الشاعر نفسه قطعًا لن يحفظها متحف المشاهير ولن تباع بعد زمن طويل في مزاد علنيّ كالملابس الداخليّة للفنّانات الأجنبيّات.
    لقد مضت الأزمنة التي كان فيها للشاعر كلمة وموقف وبيت يقيم فيه إلى أبد الآبدين.
    اليوم زمن الإعلاميّين، أثرياء العهد الجديد ونجومه وأسياده. فلقد زال عهد الأطباء والمحامين وضبّاط الجيش وحلّ عهد الإعلام المرئيّ، وبات على من يريد الشهرة والمال أن يبرع في المجال الإعلاميّ. والأرقام الخياليّة التي نسمعها عن رواتب هؤلاء تجعلنا نفكّر في أنّ هؤلاء قادرون على جمع أعضاء من شعراء معروفين وفقراء ليحتفظوا بها في منازلهم للذكرى والتباهي. فيحتفظ هذا الإعلاميّ بعين الشاعر الفلانيّ في وعاء زجاجيّ يعرضه على زوّاره ويقول لهم كيف أنقذه من الموت جوعًا عندما اشترى منه عينه التي رأت ما لم تره عين. وتحتفظ تلك الإعلاميّة بقلب الشاعر الفلانيّ في صالون منزلها لتخبر الجميع بأنّ هذا القلب الذي هام في حبّها لم يستطع أن يؤمّن مستقبل أولاده فأنقذته من حبّه اليائس واشترت منه قلبه وضمنت لعائلته السعادة.
    وليس الكلام عن الإعلاميّين بمبالغ فيه إن في بلادنا أو في بلاد العالم. والدليل على ذلك ما حصل مع أحد الأصدقاء، وهو طبيب، حين اتصل بالقيّمين على مشروع إعماريّ في لبنان، في منطقة جبليّة مشرفة على بيروت. وبعد أن سأل عن الأسعار والمساحات والمميزات قال له المسؤول في نهاية الحديث: سيعجبك المكان، فلم يشتر حتّى الآن إلّا أغنى الناس وأفضل الوجوه الإعلاميّة اللبنانيّة والعربيّة. فوجئ الصديق الطبيب وانتبه إلى أنّ الأطباء كثروا في البلد أمّا الوجوه الإعلاميّة المطلوبة والمشهورة فمعدودة وثمنها مرتفع جدًّا. فهل هو الراتب فقط الذي يؤمّن هذا المستوى من الحياة أم ثمّة مصادر أخرى؟ هذا ما لن تعرفه إلّا لجنة تحقيق دوليّة تسأل هذا الإعلاميّ من أين لك هذا؟
    أما كلية الشاعر الجزائريّ وكليّة أمّه فتحتاجان إلى صدفة تجعل أحد الأمراء من رعاة الفنّ والفنانين أو أحد فاعلي الخير من أثرياء هذا الزمن يقرأ عن هذه الحادثة ويشتري منهما عضويهما المعروضين بسعر جيّد.
***
* صحيفة الرأي العام الكويتيّة (من نصوصي القديمة)

ليست هناك تعليقات: