الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 26 مارس، 2012

جرّب تحزن


استنساخ
(2009)
"...ولكن لأن هذا النوع من الحب بات نادراً وغريباً، وكأنه شيء من الماضي، لقد تعبنا من العداوة ومن الكراهية. تعبنا من أن العيش في عالم عدائي، والآن نحصي من كسبناه من الصداقة والحب كما يحصي الفقير ذخيرة عمره."

(عبّاس بيضون – السفير)
     الإشكاليّة التي يطرحها الشاعر عبّاس بيضون في هذه الفقرة المقتطعة من مقالته في جريدة السفير اللبنانيّة الاثنين 11 أيّار 2009، تقدّم لي كقارئة مادة للتفكير والتحليل، وأجزم أنّ هذا من النوع من القرّاء هو الضروريّ، وهو المطلوب، وهو الذي تتوجّه إليه كلّ كتابة، خصوصًا أنّ المقالة المشار إليها تتوجّه بالتحيّة لسيّدة كانت تحبّ الفنّ والفنّانين من دون أحكام مسبقة.
     والتفكير لا يعني تقديم أجوبة بل طرح تساؤلات مشروعة تدفع من يطرحها أوّلاً إلى محاولة تفكيك مضامينها لعلّه يصل إلى ما يمكن أن يكون وهم أجوبة إذ لا جواب نهائيًّا على هذا النوع من الأسئلة. فما هو هذا النوع من الحبّ الذي بات نادرًا وغريبًا؟ وهل يشمل الشاعر نفسه بالقول: تعبنا من العداوة ومن الكراهيّة؟ ومن صنع العالم العدائيّ الذي يشير إليه؟ ولماذا نحصي (أحسب أنّه يشير إلى المثقّفين) من كسبناه من الصداقة والحبّ كما يحصي الفقير ذخيرة عمره؟ وهل ما يدعو إليه عبّاس بيضون هنا موجّه إلى الناس كلّهم، مقاتلين ومحازبين وخاطفين ومخطوفين ومختلف فئات المتحاربين والضحايا، أم إلى المثقّفين تحديدًا؟
     مخيف أن يكون ما يجري بين العاملين في الشأن الثقافيّ صورة طبق الأصل عمّا جرى خلال الحرب:
     المقاتلون كانوا يخطفون الناس العزّل على الحواجز بحسب الانتماء الدينيّ، والقيّمون على الشأن الثقافيّ يخطفون النجاح من أمام من ينتمي إلى غير قبيلتهم،
     وأسياد الحرب كانوا يذيبون الجثث بالأسيد، وأرباب الصحف يتلفون النصوص التي لا تشبه نصوصهم،
     والمحاربون كانوا يصمّون الآذان عن سماع أنين الجرحى، ورؤساء التحرير لا يلتفتون لمن يخالفهم الرأي والأسلوب،
     ولذلك تثير العداوات في الساحة الثقافيّة الخوف أكثر بكثير من تلك التي كانت بين أمراء الطوائف، لأنّ هؤلاء الأخيرين كانوا يعرفون أنّ السياسة لا تثبت على حال وكانوا لا يقطعون شعرة معاوية بينهم مهما تباعدت الآراء، ولذلك نراهم في جلسات الحوار ضاحكين مبتسمين، ولو أمام الكاميرات، وكانوا خلال الحرب يتبادلون الرسائل الحبيّة ولو بسيّارات مفخّخة نروح نحن ضحيّتها. أمّا المثقّفون، أو من يدّعون ذلك، فلا يلقي أحدهم    السلام على الآخر إن كان من المعسكر الثاني الذي لا يرفع له لواء التبعيّة ويؤدّي عند مروره التحيّة.
     نعم، تعبنا من العداوة ومن الكراهيّة، ولكن من ذا الذي سيريحنا منهما إن لم يكن المفكّر؟ وحين نقول المفكّر نضع تحت هذه الكلمة كلّ من يتعامل بالشعر والراوية والنقد والمسرح والسينما والتلفزيون والفنون التشكيليّة والصحافة والنقد. ولكن هل هذا ما يحصل؟
     عندما نقرأ نفرح، ولكنّنا عندما نجرّب نحزن لأنّ الواقع لا يشبه ذلك بتاتًا. أقول ذلك وفي بالي سؤال ذلك المثقّف العتيق وهو في حالة ذهول: كيف سمحوا لك في الصحيفة الفلانيّة بأن تذكري اسمي؟ ولمّا رآني لم أفهم السؤال تابع: لا شكّ في أن اسمي سقط سهوًا في الصفحة لا خارجها فأنا من الأشخاص الممنوع أن يرد ذكرهم في تلك الصحيفة لأسباب قديمة لم أعد أذكر ظروفها. ولعلّه فضّل عدم ذكر ظروف ذلك أمامي كي لا يؤكّد لي رأيي في قبائلنا الثقافيّة المتقاتلة.
     لا أعرف إن كان سيأتي يوم يعترف فيه أحدنا بأنّه يدين بالفضل في كتابة هذه المقالة أو تأليف تلك القصيدة لجملة أو كلمة أو فكرة وردت عند سواه، ولكنّي أعرف أنّني أدين بفكرة هذه المقالة لعبّاس بيضون. فشكرًا له.

ليست هناك تعليقات: