الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 22 مارس، 2012

أيّهما أفضل: الوباء أم الأزمة الاقتصاديّة؟



(2009)
     لفتت انتباهي إلى هذا السؤال طبيبة لبنانيّة صديقة حين كنّا نتبادل الحديث حول الأزمة الاقتصاديّة العالميّة وردود فعل الناس حيالها خصوصًا أنّها تقيم في فرنسا حيث بدأ الناس يشعرون فعلاً بوطأة الانهيار الماليّ، وحيث قرأ الناس رواية "الطاعون" لألبر كامو.
     لا أعرف إن كان المرضى الذين طرحت عليهم الطبيبة اللبنانيّة السؤال فكّروا فعلاً في الرواية وقارنوا بين ما يمكن أن يفعله الوباء، أيّ وباء، في العالم وبين الأزمة الاقتصاديّة، إلاّ أنّني شخصيًّا فكّرت فيها، وحاولت أن أبحث عن رواية عربيّة تتحدّث عن انتشار وباء ما في بلادنا، فلم تسعفني الذاكرة. كلّ ما يخطر على بالي كان روايات عن الحروب والجنس والدين. فعزوت الأمر إلى الجهل، جهلي أنا، وقلت لا يستطيع الإنسان مهما بلغ عدد الكتب التي قرأها أن يؤكّد أن لا رواية عن الأوبئة في العالم العربيّ، فربّما ثمّة كتاب لم يصل إلى يدي ولم أعرف بأمره لأقرأه. ولكن لو كان ثمّة رواية عن شلل الأطفال مثلاً وهو وباء اجتاح العالم في نهاية خمسينات القرن الماضي وبداية الستّينات، لكنت بالتأكيد عرفت بأمرها خصوصًا أنّني شاهدة حيّة على هذا الوباء وأعرف جيّدًا ما فعله برجلي اليمنى، وكيف تركني عرجاء منذ سنّتي الأولى مع أنّ جدّتي "إم سليم" رحمها الله كانت تصرّ على أنّ الأمر "صيبة عين" لأنّني خطوت أولى خطواتي باكرًا جدًّا، الحمد لله أنّ الأمر لم يطل لساني لأنّني تكلّمت باكرًا أيضًا.
     لماذا لم يشعر أحد بضرورة كتابة رواية عن هذا الوباء وعمّا حصده من ضحايا في تلك السنوات؟ إنّ المعلومات البسيطة التي أسرقها من والديّ عن معاناتهما في تلك المرحلة تضع الجهل عائقًا أوّل أمام التعامل مع حالات كهذه. كان الناس يجهلون ماذا يجري، لا وسائل إعلام توضح لهم ما عليهم أن يفعلوه (كان التلفزيون اختراعًا جديدًا في ذلك الوقت)، لا توعية، لا لقاحات كافية والمصابون بالآلاف. كان المجهول يحاصر الجميع، فسلّموا أمورهم إلى الله واكتفوا. في تلك المرحلة كانت الحركة الثقافيّة في عزّ انطلاقها، ففي العام 1957، صدرت مجلّة "شعر" التي أحدثت ثورة شعريّة وفكريّة لا تزال آثارها تتفاعل حتّى اليوم، وكانت انطلاقة مهرجانات بعلبّك وفورة المسرح في كلّ أنواعه، وكانت الروايات تطرح مواضيع القضيّة الفلسطينيّة، وحريّة المرأة، والثورة الجنسيّة، وعلاقة الشرق والغرب، وصراع الحضارات، والإلحاد والإيمان، ومع ذلك لم يكن ثمّة مكان لوباء ترك خلفه آلاف المصابين، عدا الذين لم يسعفهم العلاج وماتوا.

     كانت ثقافتنا المتأثّرة إلى حدّ لا قياس له بالثقافة الغربيّة التي لم تترك موضوعًا إلاّ وعالجته قادرة على الإتيان برواية عن هذا الوباء الذي يحصد الأطفال، فضلاً عن أنّه من أقدم الأوبئة في العالم إذ يصوّر نحّتٌ فرعونيّ صورةَ شاب ذي ساق ضامرة مصابة بالشلل، غير أنّ ذلك لم يحصل إلّا في مشاهد متفرّقة تعبّر عن نقمة المعوّقين كما في أقصوصة "الصبيّ الأعرج" لتوفيق يوسف عوّاد، بل الأغرب من ذلك أن تكون الحرب العالميّة الأولى مع ما رافقها من جوع وموت لم تثر إلاّ مخيّلة عوّاد نفسه في رواية "الرغيف" التي في رأيي ابتعدت عن تصوير قسوة اللبنانيّين على بعضهم. وما عدا ذلك كان من ضمن السير الذاتيّة كما فعل طه حسين وبولس سلامة...
     ولم تحرّك الإعاقات العقليّة والجسديّة الأقلام، حتّى مرض السرطان الذي ذهب ضحيّته الكثير من الشعراء والكتّاب لم يتحوّل مادة روائيّة أو فنيّة أو سينمائيّة، ما يدفعنا إلى طرح تساؤلات عن الأسباب التي تجعل أدباءنا ينساقون خلف نوع روائيّ معيّن ويتركون كلّ ما عداه. في حين أنّ الروايات والأفلام الأجنبيّة عالجت في إنسانيّة عالية موضوعات الحصبة والطاعون والسيدا والسرطان والمصابين بمختلف أنواع الإعاقات، فحرّكت مشاعرنا وأسالت دموعنا، غير أنّها لم تدفعنا إلى الكتابة عن ضحاياها وأبطالها في مجتمعنا.
     وفي العودة إلى سؤال الطبيبة الصديقة الذي أثار كلّ هذه التساؤلات، لا يسعني سوى دعوة "ضحايا" الأزمة الاقتصاديّة إلى "التنزّه" ليلاً في أروقة المستشفيات والإصغاء إلى أصوات الأنين وتنهّدات الألم وصراخ الوجع، لعلّهم بعد ذلك يعيدون تصحيح مفهومهم لكلمة "ضحايا".

ليست هناك تعليقات: