الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 5 سبتمبر 2009

يوم وقفت الدولة في حضرة الأدب


ميخائيل نعيمة الأوّل من اليسار
برفقة زملائه في مدرسة الناصرة 1903

تعود إلى ذاكرتي في شكل واضح صورة الرئيس اللبنانيّ الياس سركيس وهو يقف ليلقي كلمته في حفلة تكريم الأديب اللبنانيّ ميخائيل نعيمة في القصر الرئاسيّ. وفي اليوم التالي صدرت الصحف وهي تحمل على صدر صفحاتها الأولى ما معناه: الدولة تقف في حضرة الأدب وذلك لأنّ ميخائيل نعيمة كان على حافة أعوامه المئة وبات عاجزًا عن الوقوف طيلة المراسيم الرسميّة، فاضطرّ إلى الجلوس بينما وقفت الدولة بشخص رئيسها وأركان حكمه وقالت لناسك الشخروب: مجد صنّين أعطي لك.
لا شكّ في أنّ اعتلال صحّة نعيمة فرضت خرق البروتوكول في تلك المناسبة وأجبرت الدولة على ما لم يكن في بالها، ولكن حبّذا لو تقوم الدولة، أيّ دولة، بالوقوف دائمًا في حضرة الأدب وإلى جانبه لا في وجهه لعلّ في ذلك خلاصها ومنعتها وأسباب رقيّها وعنوان مجدها. ومع ذلك، أخشى اقتراب المفكّرين والأدباء من أركان السلطة لأنّني أخشى من تسلّط الدولة عليهم وبالتالي على إبداعهم. غير أنّ لوثة السلطة والمراكز السياسيّة تصيب بعض المبدعين وتنقلهم من جهة المراقبة والنقد والتحليل والتوجيه إلى مرحلة المسايرة والمصانعة والمداهنة والتزلّف، وعند ذلك سيموت الإبداع فيهم وسيخسرون أنفسهم بقدر ما يخسرهم الفكر، أو سيدفعون حياتهم ثمنًا إن عارضوا الاتجاه السياسيّ لدولهم كما حدث خلال العصور العربيّة كافّة، ولعلّ ابن المقفّع مثال واضح على جدليّة العلاقة بين السلطة والمثقّف. ولا شكّ في أنّ مسيرة المتنبّي الشعريّة كانت ستختلف لو أعطي الإمارة التي كان يحلم فيها، وكتابات جبران خليل جبران الثوريّة ما كانت لتحمل، ربّما، كلّ هذه الأفكار التصحيحيّة لو قبل بعرض رئيس الجمهوريّة عهدذاك صديقه أيّوب تابت وصار وزيرًا في حكومة لبنان ما قبل الاستقلال، وهذا العرض على ما يقول الدارسون هو الذي جعل جبران يكتب نصّ: لكم لبنانكم ولي لبنانيّ. ولا شكّ في أنّ تجربة طه حسين مع وزارة المعارف لم تكن على مستوى طموحه الثقافيّ، وكذلك تجربة المخرج المسرحيّ ريمون جبارة في عمله الإداريّ في تلفزيون لبنان وهي خير دليل على ما يواجهه الإبداع حين يغرق في مستنقعات السياسة والأعمال المكتبيّة، وما "الفالج" الذي أصيب به هذا المخرج وجعله شبه عاجز عن تحريك نصف جسمه إلاّ البرهان، على ما يروي جبارة، عن الضريبة التي دفعها بسبب اقترابه من ذوي السلطة والشأن الذين غلّبوا مصالحهم الشخصيّة ورغبات أزلامهم على الهمّ الثقافيّ الذي كان هاجسه. هذا من دون أن ننسى تجربة الشاعر محمود درويش ومعاناة المفكّر إدوار سعيد مع أداء السلطة الفلسطينيّة. وليس المجال هنا لدراسة واقع الحال في الدول العربيّة كلّها، وعبر العصور، ولكنّ واقع الأمور يثبت أنّ المثقّف الذي نأى بنفسه عن الانصياع لرغبات المتسلّطين، ولو في الحدّ الأدنى المتاح، بقي عبر التاريخ شاهدًا على نقاء الفكر وبقائه.
تحتاج الدولة إلى المبدع من دون أن تجعله بوقًا لها، وعليها واجب الاهتمام به من دون أن تحوّله موظّفًا حكوميًّا، وفي الوقت نفسه، على المبدع أن يترك مسافة بينه وبين السلطة، فلا يغضّ النظر عن سياستها ولا يجعلها وليّة أمره ولا يرهن إبداعه في متاجر ألاعيبها ومؤامراتها. فللسياسة متغيّرات ومصالح وأهداف، وللإبداع قيم ومثاليّة وثوابت. ولكن ليس هذا ما يحدث في عالمنا العربيّ، فإغراءات السلطة أقوى من أن يرفضها بعض المثقّفين الطامحين إلى دور قياديّ ولو حاولوا إقناع أنفسهم والمعجبين بهم بأنّهم إنّما إلى التوجيه والإصلاح يسعون. لو وعى المثقّفون أنّ كونهم ضمير الأمّة والصوت الصارخ المحقّ أكثرُ فائدة بما لا يقاس من تحوّلهم يد الحكّام المنفّذة أو كتبة خطبهم البليغة، نعم، لو وعوا ذلك فعلاً لا قولاً لكانت أمّتنا على غير ما هي عليه اليوم.

ليست هناك تعليقات: