الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 4 سبتمبر، 2009

مطر يغسل الدماء والدموع


بدر شاكر السيّاب صاحب أشهر قصيدة في اللغة العربيّة عن المطر

هل تعرفون قصّة رجل الدين الذي دعا الناس إلى صلاة الاستسقاء؟ تقول القصّة إنّ الناس الذين لبّوا دعوة رجل الدين فوجئوا وهم يسمعونه يبدأ خطبته بلهجة غاضبة مؤنّبة وهو يقول لهم: يا قليلي الإيمان! يا كافرين! كيف تريدون من الله أن يستجيب طلبتكم وينزل عليكم مطر السماء رحمة وأنتم بعيدون عن الإيمان بُعد الأرض عن النجوم والمجرّات والكواكب.
سرت بين الناس همهمات ووشوشات وصلت معانيها إلى رجل الدين وكلّها تساؤل عن سبب هذه النقمة عليهم، فأهل القرية كلّهم هنا، ولم يتخلّف منهم عن المجيء إلاّ العجوز العاجز أو الطفل المريض، أمّا الآخرون فكلّهم هنا يرغبون في بدء الصلاة لعلّ الله يرفع غضبه عنهم ويبعد الجفاف والقحط.
وبعدما وجد رجل الدين أنّ كلماته فعلت فعلها وجذبت اهتمام جمهور المصلّين، خاطبهم في هدوء وقال لهم: كيف تريدون من الله أن يعطف عليكم وأنتم لا تثقون برحمته ومحبّته وقدرته على تحقيق ما تطلبونه منه، فهل بينكم شخص واحد يحمل مظلّة يتّقي بها المطر عند هطوله؟
الدعوة التي وجّهتها إدارة الأوقاف السنيّة في مملكة البحرين لإقامة صلاة الاستسقاء يوم السبت 24 كانون الثاني 2009، تتطلّب الإيمان أوّلاً، ومن الواضح أنّنا بتنا اليوم لا نؤمن الإيمان الذي يقول لهذا الجبل انتقل فينتقل. أنا لا أريد الدخول هنا في حديث دينيّ غير أنّني أشير إلى فقدان الإيمان على مختلف المستويات في الأمّة العربيّة. فتاريخ المجتمعات يؤكّد أنّ الإنسان في حاجة إلى التمسّك بمعتقد ما يكون بمثابة خشبة خلاص تنقذه من التخبّط في أمواج أهوائه ورغباته ومشاكل الحياة وتغيّرات الطبيعة. فهناك من يؤمن بنفسه ويثق بقدراته الشخصيّة ومن هذين الإيمان والثقة ينطلق ليحقّق أسمى الغايات، وهناك من يؤمن بزعيم أو ملهم أو صاحب قضيّة فيتبعه وقد يضحّي بنفسه من أجله، وهناك من يؤمن بعقيدة دينيّة أو فلسفيّة أو سياسيّة معتبرًا أنّ في الالتزام بتحقيق أهدافها خلاصًا للبشريّة، وهناك من يؤمن بإله واحد، وهناك من يؤمن بآلهة تتوزّع بينها المهمّات، وهناك من يؤمن بالعلم وسيلة خلاص وحيدة مردّدًا العبارة التي صارت سائدة بين الناس: العلم يحقّق المعجزات.
في مدارسنا وبيوتنا نحطّم ثقة الطفل بنفسه والشاب بمواهبه والفتاة بذكائها، والزعماء يخذلوننا الواحد بعد الآخر، والقضايا صارت مطيّة للربح والتجارة ومواضيع للشعر، والدين صار على مقياس رجاله ودعاته والمبشّرين به، وبدل أن يكون الواحد منّا على صورة الله صار الله على صورة أحزابنا وطوائفنا ومذاهبنا، أمّا العلم فحدّث ولا حرج: المنطق معطّل، والإنسان عبد الآلة وأسير أنظمتها وتطوّرها، والعلوم تقيّد بالتقاليد البالية والممارسات السطحيّة، نستورد كلّ شيء: الأفكار والشعارات والملابس والآلات والنساء والمأكولات، ثمّ نحاول أن نعرّبها فنضع لها عقالاً هنا وطربوشًا هناك لتصير عربيّة من بنات أفكارنا وقيمنا.
نعم، نحن في حاجة إلى مطر يغسل الدماء عن أرض العراق وفلسطين ولبنان، إلى مطر نقيّ نغسل به وجوهنا من خطوط الدمع التي شقّت أخاديد عميقة عمق حزننا ومأساتنا، إلى مطر يمحو عار صمتنا ويوقظنا من سباتنا العميق، إلى مطر يغرق الأرض في طوفان لعلّنا بعده نكون شعبًا جديدًا، إلى مطر يسقي الأرض وينبت الزرع ويروي العطش، إلى مطر يطّهر الدنس والرجس، إلى مطر ينزل سيولاً تجرف كلّ ما لم نتعب في زرعه وجنيه وحصده وصنعه وتأليفه واكتشافه. نعم نحن في حاجة إلى أمطار وعواصف ورعود وبروق تذكّرنا بالحياة بكلّ ما فيها من عطاء وغضب وحنان وشدّة وعنف ولين. لقد صار أمر هذه الأمّة في أدنى دركات الانحطاط ولن ينقذها إلاّ صلاة نابعة من عمق الوجدان. فهل نحمل المظلاّت لنحتمي من حبال المطر أم نهرع لملاقاة الخير النازل من السماء برؤوس مرفوعة وأعين لا تخشى النظر؟

ليست هناك تعليقات: