الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 27 سبتمبر 2009

مراسم الدفن أهمّ ما في الحياة

Simberg

في الطائرة التي تحمله إلى لبنان، كان الشابّ العائد ليدفن والده يشعر بالقلق الشديد ما جعله عاجزًا عن الحزن ومنعه من استعادة الذكريات عن والده الراحل. فقد كانت مراسم الدفن تشغل باله خصوصًا أنّه لا يعرف الخطوات العمليّة التي يجب اتّخاذها في مثل هذه الحالات.
كان الوالد الراحل على خلاف مع إخوته بسبب إرث عائليّ وخلاف سياسيّ، فانقطع التواصل بين أفراد العائلة منذ أعوام، وعندما كان الشاب يعود إلى الوطن لزيارة والديه وشقيقاته لم يكن يرى أحدًا من أعمامه أو أبنائهم، ولذلك لم يكن يتوقّع وجود أحد منهم في استقباله على المطار أو لمساعدته في تنظيم جنازة والده. غير أنّ الأمر لم يكن على هذه الصورة طبعًا، ففي المطار وجد بعضًا من أقربائه الذين استقبلوه معزّين، وحين وصل إلى منزل والديه اكتشف أنّ أعمامه ونساءهم وأولادهم يحيطون بوالدته وأخواته بعدما اهتمّوا بأدقّ التفاصيل العمليّة، وحضّروا لشقيقهم الراحل مأتمًا مهيبًا ما جعل الناس يكبرون فيهم هذا الترفّع عن التباعد والحقد. ولكن ما أن انتهت الأيّام المخصّصة للتعازي حتّى "انفخت الدفّ وتفرّق العشّاق" على ما نقول في مثلنا الشعبيّ، وعادت الغربة التي ارتفعت جدرانها حجرًا فوق حجر لتقف سدًّا منيعًا بين أفراد العائلة.
لا تختلف هذه الحادثة عن كثيرات من مثيلاتها يكون فيها الناس أمام الموت غيرهم في المناسبات الأخرى، كأنّ سلطته تحكم قبضتها على أفكارهم وتجبرهم على التنازل عن مواقف مسبقة أو التراجع عن قرارات اعتبرت نهائيّة، فيتركون كلّ شيء ويشاركون في المآتم التي يرون فيها صورة رحيلهم، أو كأنّهم يعتبرون الاحتفال الجنائزيّ مناسبة لا يجوز للناس أن يسجّلوا فيها أيّ خلل بروتوكوليّ يتحوّل حديث المجتمع. وكانت المشاهد التي تلتقطها عيناي في المآتم دليلاً واضحًا على نظام يتّفق عليه الجميع ويحترمون شعائره وطقوسه وقوانينه، ويعتبون على من يقلّل من أهميّته أو يخفّف من وهجه. صحيح أنّ الأمور أخذت تنحو منحى مختلفًا مع رغبة المجتمع في تحديث نظرته إلى الموت، غير أنّ الموت في حدّ ذاته لا يزال اللغز العصيّ على الفهم فيلجأ الناس إلى أساليب مختلفة تجعلهم يتقبّلونه أو يتخطّونه أو يتّقون خطره ويبعدونه.
ولذلك نستطيع أن نفهم تصرّفات الناس المتناقضة في هذه المناسبات الحزينة، حين نرى كيف يميل بعضهم إلى الصراخ والعويل واللطم والرقص الهستيريّ، وفي المقابل يغرق آخرون في صمت غريب لا يجدون فيه ما يقولونه. وأكثر ما يدعو إلى التأمّل كيف أنّ أحدهم قد يشعرك في حزنه أنّه لا يعي ما يجري حوله ولا تعنيه الحياة بعدما خسر من خسر ثمّ تراه فجأة يهبّ لاستقبال أحد المعزّين المرموقين، أو يلفت الانتباه إلى أنّ الخادم تأخّر في تقديم القهوة، وأنّ ملابس فلانة غير لائقة وأنّ فلانًا لم يأت للعزاء بعد. ومن الواضح أنّ فهم ذلك ليس صعبًا وعصيًّا على التحليل حين نختصر الأمر بالصراع الدائر منذ تكوين العالم بين الحياة والموت، وكلاهما يتجاذب الإنسان ويدفعه إلى تصرّفات تدلّ على تخبّطه في البحث عن حلول لألغاز الوجود.
ليست الشعوب القديمة وحدها هي التي أمضت الحياة في إعداد مراسم الموت ومكانه وطقوسه، وليست مدافن الفراعنة وشعب "المايا" وأباطرة الصين إلاّ المجسّم العظيم الشاهد على أنّ الموت يرافق الحياة لحظة بلحظة. وبين الناس اليوم من يشتري مدفنًا فخمًا ولو كان لا يملك الشقّة التي يقيم فيها، وبينهم من يدعو كبار رجال الدين ويكرمهم بمبالغ كبيرة كي يرأسوا الصلاة على نفس والده ولو كان ذلك على حساب أقساط أولاده في المدرسة. وكم يثير الشفقة أن نشهد تنافسًا حادًّا بين زعيمين صغيرين في بلدة واحدة حول من يجمع أكبر عدد من رجال الدين ونوّاب المنطقة في مأتم أحد أفراد العائلة، حتّى تحوّلت المآتم، وخصوصًا عند اقتراب مواعيد الانتخابات، فرصة للتندّر والسخرية وإطلاق النكات والبحث عن الوجوه الجديدة المرشّحة وكم من الوقت أمضى أصحابها في رفقة أهل الفقيد أو الفقيدة.
لقد ترك القدماء مدافن عظيمة وجميلة، تذكّرنا بأنّها بنيت لشخص واحد وننسى غالبًا أنّ ذلك كان على حساب حيوات آلاف العمّال. ومن الواضح أنّ الأمور لم تتغيّر كثيرًا في عصرنا الحاليّ، وإن بمظاهر مختلفة.

هناك تعليق واحد:

misanthrope repenti يقول...

Votre histoire est émouvante et vos raisonnements sont pertinents les un que les autres , j’était témoins d’une histoire quasi-identiques où les condoléances et la compassion censé être à l’égard des proches du défunts s’est transformée en une comédie de mauvais goût et d’un concours de démagogie protocolaire comme vous le dites , en Algérie on en ai arrivé à compter le nombre des voitures dans le cortèges mortuaires pour juger de l’utilité ou non d’adresser les condoléances à la famille du défunt et les bénéfices qu’on peux en tirer ! triste constat .