الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 7 سبتمبر، 2009

مذيعات الربط ما بين الصورة والصوت



ثمّة وظائف يعجز العقل عن فهم أهميّتها ودورها وما تقدّمه للمجتمع، وربط البرامج التلفزيونيّة واحدة منها، فأنا لم أستطع حتّى اليوم أن أفهم الإصرار عند بعض المؤسّسات الإعلاميّة على توظيف فتيات يربطن البرامج ببعضها ولا شيء غير ذلك.
أوّلاً، لماذا الإصرار على أن يكون من سيخبرك بما ستشاهده لاحقًا صبيّة لا شابًا؟ فإذا كانت الوظيفة تهدف إلى الإعلان عن برنامج ما فما المانع من أن يفعل شاب ذلك؟ ثانيًا، ماذا يفيدني كمشاهدة أن تطلّ صبيّة حسناء لتطلب منّي أن أبقى برفقة هذه المحطّة وأنا أصلاً أشاهد هذه المحطّة، ولو كنت أشاهد سواها لما سمعتها ورأيتها؟ ثالثًا، هل يصغي أحد فعلاً للعبارات المستعادة آلاف المرّات والتي تحاول مذيعة الربط أن توحي إليك بأنّها ألّفتها للتوّ، وهل قاس أحد مستوى السخف في هذه العبارات؟ فالمحطّات الغربيّة ذات الخبرة والاحتراف تخلّت عن هذه الوظيفة، واكتفت بصوت يقول لك في شكل مباشر ما هو البرنامج التالي، من دون عواطف أو كلمات شكر. أمّا عندنا فيتمّ تسجيل مشاهد الربط وكلماته، مع ما يعني ذلك من مراقبة أزياء وتسريحة شعر وزينة وجه وديكور ملائم للمناسبات، وادّعاء تأليف عبارات جديدة لمناسبات تستعاد كلّ سنة، وكلمات ممجوجة تنتقل من محطّة إلى أخرى ومن سنة إلى أخرى وهي لا تحمل أيّ جديد أو مبتكر. وإذا حاولت المذيعة أن تطعّم أسلوبها بمنوّعات تبعد الرتابة، كانت النتيجة ادّعاء في غير محله ووقته، أو خليطًا عجيبًا من أفعال الأمر ونظرات الإغراء وابتسامات التواطؤ، في غياب الثقافة (لا الشهادات) والنظرة الذكيّة.
أمّا في المناسبات الرسميّة وخصوصًا المأساويّة منها والتي تستدعي مقالاً يناسب المقام، فتبدو المذيعة حائرة: فهي لا تستطيع إلاّ أن تبتسم وأن تبدو مشرقة وسعيدة ومتفائلة، وعليها في الوقت نفسه أن تقول كلامًا لا يلائم الصورة، فيبدو المشهد غاية في السخف والاستهتار بالعمل الإعلاميّ. فضلاً عن ذلك، لا تنسى مذيعة الربط أن تذكّرنا كلّ ليلة، وخصوصًا قبل نشرات الأخبار، بأنّ فريق العمل في المحطّة حضّر لنا مجموعة من التحقيقات والأخبار ونحن مدعوون للاستماع إليها وتقدير جهود المراسلين المنتشرين في كلّ أنحاء العالم لكي ينقلوا إلينا الخبر الأكيد وتحرص على شكرنا "على حسن المتابعة". وحين نسأل عمّن يكتب هذه العبارات الساذجة يأتي الجواب أنّ الأمر يختلف بين محطّة وأخرى، ففي بعضها المذيعات هنّ اللواتي يؤلّفن ما سيقلنه، وفي غيرها هناك من يراقب ويدقّق، وفي الحالين، تمرّ مذيعة الربط بين برنامجين لتسمح لنا باستراحة نقضي فيها حاجة قبل أن نعود لنستقرّ أمام الشاشة الصغيرة.
من بين مذيعات الربط اللبنانيّات الرائدات اللواتي أعطين هذه الوظيفة أبعادًا فنيّة وثقافيّة وجماليّة وانطلقت بعضها إلى مجالات أوسع، تفرض الإعلاميّة "كابي لطيف" نفسها على ذاكرتي وهي تنقلنا من برنامج إلى آخر حين كانت إحدى نجمات تلفزيون لبنان السعيد الذكر. فقد استطاعت هذه السيّدة في بداية حياتها المهنيّة أن تجعل هذه الوظيفة البسيطة فسحة للتنوّع والابتكار، حتّى أنّنا كنّا ننتظر إطلالتها لكي نعرف ماذا ستقول فضلاً عن فضولنا لرؤية الشكل الأنيق الذي كان يتجدّد مع كلّ إطلالة. وهذا ما سمح لها لاحقًا بالانطلاق في المجال الإعلاميّ عربيًّا وعالميًّا عبر إذاعة "مونتي كارلو"، فحصدت الكثير من الجوائز تقديرًا لكفاءتها وتميّزها. أمّا الآن، فأجد صعوبة في تذكّر وجوه مذيعات الربط، كما أعجز عن ربطهنّ بالمحطّات التي فيها يعملن، فكأنّهنّ مستنسخات من خلية واحدة. وهذا يعني أنّ أداء الوظيفة، أيّ وظيفة، هو ما يجعلها ذات مستوى وصاحبة دور أكان هذا الدور ترفيهيًّا أو تثقيفيًّا، وليس هذا ما نراه على شاشاتنا، إذ لا صوت ينقلنا إلى عالم الفكر ولا إطلالة تعلق في البال.

ليست هناك تعليقات: