الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 9 سبتمبر 2009

الكاتب المجهول خلف سواه


Kramskoy 1885
بورتريه الفيلسوف فلاديمير سولوفيوف


في أماكن كثيرة من العالم، لا يتحرّج رؤساء الدول والقادة من الإعلان عن أعضاء فريق العمل الذين يساعدونهم في العمل الإداريّ وينصحونهم ويديرون نشاطاتهم السياسيّة. لا بل من السهل جدًّا أن نعرف من يقف وراء هذه الخطّة الاقتصاديّة لذاك الرئيس، ومن رسم الخطوط العريضة للحملة الانتخابيّة لذلك المرشّح، ولا يعتبر الأمر من الأسرار التي لا يكشف عنها إلاّ مع مرور الزمن.
زعماؤنا لا يحبّون ذلك، ولا يعلنون عنه في شفافيّة ووضوح، ولن يغيّر رأيي في الموضوع مواقفهم. غير أنّني لا أستطيع إلاّ أن أحترم أولئك الذين يرضون بالبقاء خلف الكواليس، خصوصًا أولئك الذين كتبوا خطابات سجّلها التاريخ، وحفظها الناس، وتناقلتها الأقلام، ومع ذلك قبلوا أن تغيب أسماؤهم، ويحصد سواهم التصفيق، لا بل يشاركون في التصفيق والإعجاب من دون أن يقولوا أنّهم أصحاب هذه الكلمات ومطلقو هذه الشعارات. من الطبيعيّ أن نردّ على هذا الكلام قائلين إنّ كتابة الخطب وظيفة كسواها من الوظائف يتقاضى من يعمل فيها راتبه كأيّ موظّف آخر. هذا كلام صحيح، غير أنّني أعترف بأنّني لا أرى الكتابة كفعل إبداع وظيفة كسواها، وأعجز عن إقناع نفسي بأنّ هذه الكلمات التي تنال الإعجاب وتوصل قارئها إلى مناصب رفيعة وتدخل كتب الأدب والتاريخ مجهولة الكاتب ولا نعرف شيئًا عمّن حبّرها في صمت وتنازل عنها في مقابل أجر.
خلال الحملة الانتخابيّة الأميركيّة الأخيرة، تمتّ الإشارة أكثر من مرّة إلى من يكتب خطب المرشّحين، لا بل تحدّثت وسائل الإعلام عن أنّ الرئيس الأميركيّ السابق جورج بوش سمح لكاتب خطبه بكتابة خطب المرشّحة لمنصب نائب الرئيس سارة بايلن. ولم يجد أحد في الأمر ما يدعو إلى إحراج الرئيس أو المرشّحة، بل بدا الأمر طبيعيًّا كالإعلان عن اسم أيّ موظّف آخر. ولا يخفى أنّ كاتب (أو كاتبة) هذا النوع من الخطب يحتاج إلى كثير من الدراسة والمعلومات وملاءمة النصّ لواقع الحال والانصياع لرغبة الشخصيّة التي يكتب لها ومراعاة خصوصيّتها لكي يأتي النصّ على قدر كبير من المصداقيّة تجعل الجماهير مقتنعة به. وهذا جهد مضاعف يقوم به الكاتب ويتطلّب الكثير من الوقت وملاحقة التطوّرات ومواكبة الأحداث والبقاء في حال من التأهّب لتلبية نداء الواجب. ولا يستطيع أيّ زعيم مهما بلغ مستوى علمه وثقافته أن يحيط بكلّ هذه الأمور، أو أن يجد لها الوقت الكافي. وثمّة رؤساء معدودون في العالم كانوا شعراء أو صحافيّين وكانوا قادرين على كتابة خطبهم من دون مساعدة، إلاّ أنّ المواعيد والارتباطات ما كانت لتسمح لهم بالتفرّغ لتدبيج نصوص في مختلف المناسبات. صحيح أنّ لصاحب السلطة الحقّ في أن يحذف أو يعدّل أو يضع الخطوط العريضة لما يريد قوله، إلاّ أنّ الأمر يحتاج إلى فريق عمل خبير بنفسيّات الجماهير التي يتوجّه إليها الخطاب، وهي قد تتغيّر بين منطقة وأخرى أو بين حيّ وحيّ وبين يوم وآخر. وهذا ما لا يستطيع شخص واحد مهما بلغ شأنه أن يقوم به.
فإلى هؤلاء الجنود المجهولين، الذين عبروا في ليل السياسة وبين خيطان السلطة المتشابكة، وبقيت كتاباتهم ونصوصهم وخطبهم خالدة بتواقيع سواهم، ألف تحيّة، وسؤال واحد لا أنتظر جوابًا عليه: كيف تنازلتم عن أفكاركم وكلماتكم وخصوصًا لمن بدا واضحًا أنّه لا يعرف شيئًا عن مضمونها وأحيانًا لا يحسن قراءتها ولا يفهم أبعادها؟

ليست هناك تعليقات: