الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 3 سبتمبر 2009

إلى الطفل في داخل كلّ إنسان

الدكتورة هيام كوزما خلال توقيع كتابها

عندما عاد أفراد العائلة والمدعوون من الكنيسة بعد حفل العماد، كان الطفل يغفو في سكينة بين يدي أمّه، وهو غارق في ثوبه الأبيض الحريريّ الذي خيط خصيصًا للمناسبة. أضجعته الأمّ في سريره الصغير المتنقّل، فحمله والده إلى السيّارة، ثمّ إلى المطعم حيث وليمة الغداء التي دعي إليها جمع كبير من الناس للاحتفال بالطفل المعمّد.
مرّت الجدّة قرب سرير الطفل الذي وضع على طاولة جانبيّة، وألقت نظرة على حفيدها النائم لتطمئنّ إلى أنّ ضجيج الناس حوله لم يقلق غفوته. ثمّ خلعت معطفها الفرو وغطّت القسم الأسفل من السرير خوفًا على الطفل من البرد، وداعبت وجهه بأناملها رغبة منها في التأكّد من أنّه ينعم بالدفء المطلوب، ثمّ ابتعدت لتنخرط مع الجموع المحتفلة. كان الطعام شهيًّا، والجوّ مفعمًا بالفرح والضحك، وأصوات الأغنيات تصدح داعية الراغبين في الرقص إلى الإسراع إلى الحلبة. ولم ينتبه أحد إلى عشرات المعاطف المتراكمة عفوًا فوق معطف الجدّة، خانقة الطفل، صاحب العيد والاحتفال، تحت ثقلها وحرارتها المرتفعة.
لا أعرف إن كانت هذه الحادثة وقعت فعلاً أم هي مجموعة تفاصيل جمعَتها ذاكرتي من حكايات مختلفة سمعتها ممّن حولي ومن مشاهد عالقة في البال عن الحفلات التي ننسى فيها سبب الدعوة وصاحب العيد، ثمّ حبكتُها في حكاية هي أقرب إلى الجريمة غير المتعمّدة. ولكن إذا كانت هذه الحادثة حكاية ألّفتها أو حفظتها، وإذا كان موت الطفل حادثة مؤسفة لا ذنب فعليًّا لأحد فيها، فكم من الحوادث تقع ويقتل فيها الأطفال عمدًا ومع سابق الإصرار والتصميم! ولعلّ أخطرها وأكثرها غموضًا وقسوة تلك التي يقتل فيها كلّ واحد منّا الطفل الذي فيه. ولذلك جاء كتاب الدكتورة هيام قزما: إلى الطفل في داخل كلّ إنسان، الصادر في لبنان حديثًا في اللغتين العربيّة والفرنسيّة، ليعرّفنا على هذا الطفل النائم في سلام في قلب كلّ منّا، فنوقظه في هدوء ونترك له المجال كي يتنفّس ويعيش، ولا نخنقه تحت طبقات متراكمة من أنواع الكبت والذنب ارتفعت فوقه بسبب الجهل وعلى عجل ومن غير انتباه غالبًا، وفي قصد وتعمّد أحيانًا.
والدكتورة هيام قزما طبيبة لبنانيّة، تقيم في فرنسا، حيث درست الطبّ الغربيّ ثمّ أضافت إليه علومًا متخصّصة في الطبّ الشرقيّ (الوخز بالإبر)، وفي علوم النفس والتواصل واللغة، فكانت النتيجة ثقافة جامعة تهدف إلى معالجة النفس والجسد، لا بل الأهمّ الوقاية من الأمراض التي قد تصيب النفس والجسد. ولا شكّ في أنّ المكتبة العربيّة في أمسّ الحاجة إلى مثل هذا النوع من الكتب، فضلاً عن الحاجة الملحّة إلى مثل هذا النوع من العلاج. فالكتب الحديثة التي تعالج هذه المواضيع محصورة في اللغات الأجنبيّة، وعندما كانت تنال شهرة واسعة وتصل إلينا (وأحيانًا متأخّرة جدًّا)، كانت تترجم إلى لغتنا بكلمات لا تحترم المفاهيم الطبيّة العلميّة لأنّ المترجمين في طبيعة الحال من غير الأخصائيّين في هذا المجال. ولذلك كان القارئ العربيّ محرومًا من الاستفادة من هذه الكتب العلميّة الجديّة، لا بل محرومًا ممّن يعالج مشاكله الصحيّة في وجهيها النفسيّ والجسديّ (وكلّ منهما وجه للآخر) انطلاقًا من شخصيّة الإنسان العربيّ بخصوصيّته وبيئته ولغته وتقاليده. فجاء هذا الكتاب ليبدأ بسدّ هذا الفراغ وهو باكورة إنتاج علميّ/ أدبيّ لطبيبة لبنانيّة شديدة الالتصاق بوطنها العربيّ وإن كانت تقيم بحكم العمل والتزامات العائلة في الخارج، غير أنّها تعوّض عن هذا البعد بمحاضرات وندوات ودورات تدريبيّة تدعو إليها وتحييها في لبنان وسواه.
لقد أتيح المجال لهذه السيّدة اللبنانية/الفرنسيّة، الشرقيّة/الغربيّة، الأمّ/ الطبيبة، أن تبرهن على قدرة الإنسان – المرأة خصوصًا - على الجمع بين ثقافات مختلفة، وحضارات قديمة وحديثة، وواجبات مهنيّة وعائليّة، وتصغير العالم إلى قرية كونيّة، لا كما فعلت العولمة في محاولتها إلغاء خصوصيّات الحضارات والقوميّات والثقافات، بل في احترام كلّ جانب من شخصيّة الإنسان، وإبداع المجتمع، وتاريخ الحضارة، لتؤكّد أنّ الحضارات لا تتصارع عند من يعقلون بل تتحاور وتتكامل. وما كتابها هذا سوى الدليل على أنّها تحترم كلّ فرد من البشر، لا بل تحترم الطفل الذي فيه، الطفل الذي أهمله الكبير وصفعه وأنّبه وقلّل من احترامه وأساء إليه وأسكته حين تكلّم، وأزعجه حين تعب ونام. وإلى هذا الطفل تهدي الدكتورة قزما الكتاب، فتقول له: إلى الطفل الذي التقيته في كلّ شخص، في كلّ حين، وكلّ مكان، إنّه غذّى مشاعري ووسّع أفكاري وعمّق خبرتي. هذا الطفل هو دائمًا معي وأمامي، في كلّ حركة وكلّ حرف. وراء كلّ كلمة هناك وجه يخاطبني، ووراء كلّ جملة إشعاع ينير طريقي.قد لا نستطيع أن نحلّ جميع مشاكلنا، ولكن لا شكّ في أنّ نظرتنا إلى شؤون هذا العالم وشجونه وتعاملنا معها سوف يتغيّران ويثمران إن نحن أحببنا أوّلاً الطفل في داخل كلّ منّا. وهذا الكتاب هو دليلنا إلى ذلك.

ليست هناك تعليقات: