الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 4 سبتمبر، 2009

في مختبر المسرح التجريبيّ

روجيه عسّاف وحنان الحاج علي

من مسرحية حمّام بغدادي لجواد الأسدي

  (4 أيلول 2009)
      يُخضعنا أسياد المسرح التجريبيّ وسيّداته لاختبارات قاسية نتحوّل فيها ضحايا وعوض عن أن نخرج من المسرح وقد ازددنا علمًا نخرج ونحن نجرّ أذيال الخيبة بعدما ازددنا همًّا، فكأن لا يكفينا المعاناة التي نحن أبطالها في الحياة، حتّى تأتي المسرحيّات لتنقل إلينا هذه المعاناة وتعرضها أمام أعيننا لا بل تدعونا إلى التفاعل معها، وتعتب علينا إن لم نفعل. هذا إن كنّا نشاهد فعلاً، ولا نتفرّج!
     يحاول المسرحيّون اللبنانيّون، وغيرهم من الذين ينتمون إلى مدارس التجريب والتغريب في المسرح، أن ينقلوا إلينا تجارب في التأليف والتمثيل والإخراج نالت حصّتها من النجاح (على ذمّة الرواة) حيث عرضت. ويغيب عن بال هؤلاء المسرحيين أنّنا نعيش في أجواء أقلّ ما يقال عنها أنّها متوتّرة قلقة، وبالتالي لا يجوز تعريضنا لمثل هذا العنف المسرحيّ الذي يستمتع به الغربيّ لأنّه في قرارة نفسه يعرف أنّه مطمئنّ إلى غده، وأنّ ما يراه هو تمثيل وفنّ، بينما نشعر نحن بالاختناق كلّما فكّرنا في مواكبة الثقافة ومشاهدة عرض مسرحيّ جدّيّ.
     حصل لي مثل ذلك في مسرح "دوّار الشمس" الذي يشرف عليه المخرج روجيه عسّاف. كان العمل بتوقيع مخرجة لبنانيّة تقيم في فرنسا، وفي مسرحيّتها المستوحاة من عمل عالميّ، قصف ورعب وجثّة ملتصقة بالممثّلة الوحيدة التي تؤدّي العرض في مونولوغ صاخب محاط بالظلمة ومخترق بأصوات القذائف والصراخ والموسيقى الجنائزيّة أو العنيفة.

     لم أصمد أكثر من بضع دقائق، غادرت بعدها المسرح وأنا أتلمّس خطواتي في الظلام الدامس وإذ بمجموعة من المشاهدين تلحق بي بعد أن شجّعها إقدامي على خرق حرمة المسرح المهيب. وفي الخارج، كانت الممثّلة المسرحيّة السيّدةحنان الحاج عليّ، زوجة عسّاف، تنظر إلينا وتبتسم وتطمئننا إلى أنّنا لسنا وحدنا من فعل ذلك، ففي كلّ ليلة من ليالي العرض "يهرب" من لم يستطع أن يحتمل فكرة الحرب بما فيها من القتل والتعذيب والخطف وهي تستعاد أمامه. أذكر هذه الحادثة لأشير إلى مسرحيّة "حمّام بغداديّ" للمخرج العراقيّ جواد الأسديّ، التي بدئ عرضها على خشبة مسرح "بابل"، وهي من بطولة الممثّلين السورييّن "نضال سيجري" و"فايز قزق"، اللذين نالا جائزة التمثيل عن دوريهما في هذه المسرحيّة، في مهرجان القاهرة الدوليّ الثامن عشر للمسرح التجريبيّ عام 2008. والمسرحيّة التي تعود إلى بيروت بعد عرض سابق منذ عامين، وتستمرّ لغاية 14 شباط 2009، تدور في حمّام شعبيّ في العراق بين شقيقين، أحدهما يعمل مع الأميركيّين والآخر ضدّهم. والمقصود بالحمّام هنا الفسحة الخاصّة حيث يختلط الحميميّ بالمعلن، وتتعرّى شخصيّة الإنسان كما يتعرّى جسمه. ومن الطبيعيّ أن يكون الحوار في هذه الحالة جارحًا وصاخبًا وعبثيًّا، كيف لا والعمل يستعاد لأنّ الأوضاع في العراق لم تتغيّر وبالتالي لا تزال المسرحيّة بعنفها وقسوتها صالحة للعرض ولم تنته بعد مدّة وظيفتها. السؤال الذي يحيّرني في كلّ مرّة أخوض فيها مغامرةَ مشاهدةِ عرض كهذا: ما المطلوب من المُشاهِد في هذه الحالة؟
     حين أرى إلى جماعة المشاهدين، وهي من النخبة المثقّفة في هذا الحال، أكتشف أنّهم لا يزالون كما هم ولم يتغيّر فيهم شيء. لا يزالون يضحكون، ويثرثرون عن الناحية الفنيّة للعمل في لغة هي مزيج من فرنسيّة راقية وإنكليزيّة "كول"، يتبادلون الرأي في قضيّة اختيار المطعم الذي سينهون سهرتهم فيه، يتساءلون عن مشاريع الغد، ويتفرّق الجميع، بعيدًا عن مسرح "الجريمة".
     فهل هذا هو المطلوب من هذا الجمهور المختار؟ وهل هذا هو الجمهور المطلوب لهذا المسرح؟ ولماذا قلّة من الحاضرين تجد نفسها متورّطة في العمل؟

ليست هناك تعليقات: