الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 18 سبتمبر 2009

منوال يونس وأهمّ درس في الفكر



مع اقتراب موسم الانتخابات، وضعت أمامي لائحة بالأسماء الأكثر تداولاً في سوق الصرف الإعلاميّ وأروقة أولي الأمر المفترض أنّهم يعملون على إنقاذ هذا البلد. فلم أجد اسمًا واحدًا لامعًا في عالم الفكر والإبداع، أو صاحب مؤلّف واحد في الدراسات الدينيّة أو الاجتماعيّة أو السياسيّة أو العلميّة أو الاقتصاديّة أو الفنيّة. فأصحاب الأسماء المتداولة هم من حملة الشهادات طبعًا وهذا أقلّ الإيمان، أو من أولاد العائلات التي تتوارث النيابة أو من قادة الأحزاب الذين لم يتّخذوا قرارًا نهائيًّا بعد في شأن عقائدهم المطّاطة، أو من مدّعي الثقافة الذين يوهمون زائريهم بأنّ الكتاب رفيقهم الدائم ولا يستقبلون أهل الإعلام وسائر الضيوف إلاّ في مكتب تزّينه لوحة جداريّة كبيرة اسمها "مكتبة".
في عزّ هذا الصخب الانتخابيّ، وفي عتمة هذا الغياب المشين لسادة الفكر وسيّداته عن ساحة العمل السياسيّ، شرّفني أحد سادة الفكر اللبنانيّ، وعندي الرجاء في ألاّ يكون الأخير، بدعوتي إلى لقاء عقب قراءته مقالتي التي نشرت في صحيفة "النهار" اللبنانيّة بعنوان: تاريخ الموارنة ما بين الثابت والمتحوّل. إنّه الدكتور منوال يونس، المفكر الذي بلغ من العمر عتيًّا ولا يزال يتمتّع بالوعي الفكريّ والنشاط في القراءة والمتابعة والكتابة واستقبال طلاّب الجامعات واضعًا خبرة عمره وعصارة فكره في تصرّفهم وكلّه أمل في ألاّ تنطفئ جذوة الإبداع في هذا البلد، وأن يستعيد اللبنانيّون دورهم الحضاريّ الرائد.
يطول الحديث في استعادة ما قيل خلال هذا اللقاء، خصوصًا أنّ مضيفي يملك من الانسياب الكلاميّ من دون خطابيّة منفّرة، ومن الإحاطة بمختلف جوانب الفكر من دون استعراض مجّاني، ما جعل جلسة الحوار الفكريّ تتشعّب لتتناول الفلسفة وعصر النهضة والواقع المارونيّ ونظام الدولة الأمثل كما يراه وصولاً إلى مقالاته التي تتهافت عليها الصحف والمجلاّت المتخصّصة في أوروبا وإسبانيا تحديدًا وفيها دراسات عن الوجود العربيّ في الأندلس وأثر ذلك على النهضة الأوروبيّة.
غير أنّ الدرس الأهمّ الذي يتعلّمه المرء من مجالسة أهل الفكر هو قبول الآخر والاستماع إلى رأيه واحترام إبداعه بغض النظر عن فوارق العمر والخبرة والممارسة السياسيّة (كان نائبًا لدورتين ومرشّحًا لرئاسة الجمهوريّة)، والدكتور منوال يونس، الذي لم تمنعه أعوامه المثمرة أو إنجازاته الفكريّة العالميّة أو مرتبته الاجتماعيّة عن الاتّصال بي وتهنئتي على مقالاتي ودعوتي إلى فنجان قهوة في منزله الجميل والأنيق من دون بهرجة، علّمني أنّ الكبار في عالم الفكر هم الذين يعرفون أنّ القمّة تتسع لهم ولسواهم وأنّ دورهم الأساس هو في تسليم الشعلة إلى الأجيال الجديدة وأنّ الاحتفال بكلّ صاحب فكرة أو فكر هو ما يضمن بقاء الشعوب واستمرار الأوطان.


إنّ العمل الإبداعيّ يضعنا في مواجهة حقيقيّة مع أجمل ما في الآخرين ومع أبشع ما فيهم، فأنا غالبًا ما التقيت وفي جلسة واحدة أحيانًا بمفكّر كبير أضاف إليّ الكثير من فيض علمه ومحبّته وتواضعه، وصحافيّ طفيليّ يخشى إن اعترف بوجودي أن ألغي وجوده أو أفضح سرقاته الأدبيّة. ومع ذلك، لا نستطيع إلاّ أن نحمل صليب الإبداع، كلّ على قدر قامته وعمره وموهبته، ونمشي صوب قيامة المجتمع، ونحن واعون إلى أنّنا على طريق الجلجلة سنلتقي بمن يرافقنا وبمن ينكرنا، بمن يمسح وجهنا من العرق والدم وبمن يسخر منّا، بمن يتّصل بنا ليدعونا إلى فنجان قهوة أو وظيفة محترمة أو احتفال تكريميّ وبمن يضع الخلّ في أفواهنا والشوك على رؤوسنا والحربة في جنبنا. غير أنّ الكلمة، التي كانت في البدء، ستدحرج الحجر عن القبر ما دامت ابنة الحقّ والخير والجمال.

ليست هناك تعليقات: