الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 28 سبتمبر، 2009

البقاء لأشجار لبنان في الأغنية واللوحة



1.2 مليون من أشجار الأَرز وصنوبر البحر الأبيض المتوسط وغيرها احترقت في لبنان الصيف الماضي، بحسب تقرير منظّمة الأغذية والزراعة "الفاو"، وأشجار "اللّزاب" المعمّرة، والتي يتفوّق بعضها على شجر الأرز في قدرته على النمو فوق أعلى القمم، تقطعها فؤوس الحطّابين للتدفئة بحسب ما كشف الناشط البيئيّ كريستيان أخرس في تحقيق أجرته صحيفة "الشرق الأوسط" عن هذا الموضوع. فهل اقتربنا من اليوم الذي سنتذكّر فيه الأشجار من خلال الأغنية واللوحة ولا نجدها خارجهما؟
لا شكّ في أنّنا بتنا نسأم من أنفسنا ونحن نحاول أن نحارب بالكلمة فقط أسلحة فتّاكة كالجرّافة والحفّارة والمنشار والفأس والنار والأمراض والنفايات وكلّها تريد القضاء على أرضنا وغاباتنا ومياهنا وطيورنا وكلّ ما جعل هذه البقعة الجغرافيّة مميّزة بطبيعتها ومناظرها. وهل يمكن الكلمة أن تكون قطرة ماء تحفر في صخور العناد والغباء والجهل لتجد لنفسها ممرًّا ولو صعبًا إلى حيث تروي عطش زهرة؟ لا نعرف إلاّ أنّنا نملك الكلمات وسيلة تنبّيه وتحذير في حين يملك سوانا السلطة والقدرة والأموال ولكنّه لا يستخدمها ليمنع تحوّل هذه الأرض الخضراء بقعة لها لون الرماد والموت والزوال.
كلّ من يكتب عن موضوع البيئة يعرف أنّه عاجز عن مقاومة سياسات الدول والحكومات، ويعرف أنّه صوت صارخ في صحراء يرفض أبناؤها أن نرشدهم إلى واحاتها، ولكنّه يعرف في الوقت نفسه أنّه لا يستطيع أن يتناسى حرائق الغابات أو قطع الأشجار أو تلويث المياه، لا لأنّه كاتب وشاعر يتوقّع منه الآخرون أن يحبّ الطبيعة على عادة الرومنطيقيين، بل لأنّ معرفته ورؤياه التي لا تتخطّى الحاضر لا تسمحان له بغضّ النظر عمّا يعرف أنّ زواله يعني زوال الإنسان. ولذلك لا تقلّ الكتابة عن البيئة أهميّة عن الكتابة عن كلّ شأن آخر، لأنّ هذا الشأن الآخر، ولو كان الإنسان محوره وموضوعه، لن يجد له مكانًا ما لم تكن الطبيعة موجودة، والمياه نظيفة، والثمرة غير ملوّثة. ليس البكاء على الأشجار التي احترقت وقطعت هو مجرّد وقوف عابر أمام طلل بائد، بل هو رعب حقيقيّ من أنّ الركام الذي ينتشر في كلّ مكان سيصل إلى الداخل حيث لن يبقى إلاّ برودة الفراغ. لا الفراغ الموعود بالامتلاء، بل الفراغ الذي يعلن نهاية الأشياء وموت الجمال وانتحار الحياة.
إنّ أيّ مهرجان للشعر في بلادنا يكلّف ثروة طائلة وتحضيرات تمتدّ أيّامًا وشهورًا، ثمّ يصل الشعراء ويتبارون في رثاء الحياة والإنسان والطبيعة ومهاجمة الأنظمة والإعلان عن نهاية كلّ شيء. وحسابات بسيطة تظهر أنّ في الإمكان توزيع جزء من كلفة هذه المهرجان أو ذاك على محاربة ما سوف يتحدّث عنه الشعراء ويهاجمونه. فمن السهل جدًّا أن يدافع الشعراء بالكلام عن كتاب منعته الرقابة، ولكن لو دفع كلّ منهم ثمن نسخة من هذا الكتاب لنفدت الطبعة كلّها وانتشر الكتاب رغمًا عن أنف أيّ سلطة أو نظام. ولكن من الواضح أنّ بعض المثقّفين يهوى إثارة الزوابع ولا يعنيه مسح الغبار ورفع الأضرار بعدها. كأنّ الهدف لم يعد نشر الكتاب بل نشر عرض الدولة، ولا زرع الأشجار بل شتم من ينشرها حطبًا يشتعل في موقد الشاعر ويوحي إليه بأجمل الصور.
وما دام إبداعنا غارقًا في الانفعال فلن يحدث ثورة، وما دامت العاطفة وحدها هي التي تحرّكه فلن يحرّك أحد ساكنًا، وما دام العالم الذي نبنيه في الخيال هو الذي يعنينا أمره فلن نفعل شيئًا من أجل هذا العالم. والأشجار المحترقة والمقطوعة موضوع من المواضيع التي يجب أن نتعامل معها بانفعال هو من الطبيعة البشريّة شرط أن يقود إلى الفعل، وبعاطفة تدفع إلى الغضب لا إلى البكاء، وبخيال لا يهرب من خيبات هذا العالم بل يساعد على التخطيط لبناء عالم أفضل.
لقد اخترنا في لبنان شجرة الأرز شعارًا في عَلَمِنا ورمزًا لصمودنا، وربّما كان علينا أن نختار شجرة اللزّاب التي يقول الخبير البيئيّ كريستيان أخرس أنّها تحتاج إلى فسحتها من الهواء والشمس والمدى، وتتباعد نسبيًّا لذلك لا تنمو أشجارها في غابات كثيفة كالسنديان والصنوبر. ولذلك هي أشبه بشخصيّة اللبنانيّ خصوصًا متى علمنا أنّها تعاند أعتى الرياح وأكثر درجات الحرارة انخفاضًا، ما يجعل زراعتها صعبًا ونموّها بطيئًا ولكنّها متى نمت وكبرت واجهت التحديّات وعمّرت، والخطر الوحيد عليها هو فأس الحطّابين ومنشار التجّار.

هناك تعليق واحد:

syriangavroche يقول...

في سوريا نعاني أيضاً من ذات المشكلة.. لا يوجد وعي و لا يوجد أي تقدير لمعنى الشجرة في عصر تقديس الحجر


تحية