الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 11 سبتمبر، 2009

الطيّب صالح وجائزة النبل العربيّة



يوم آخر، ورحيل آخر. كأنّ الشعراء والروائيّين تواعدوا على الرحيل معًا، شبّانًا وشيوخًا، إلى آفاق جديدة وعوالم أكثر جمالاً وأكثر سعادة وأكثر حريّة. في كلّ يوم نعي، وبعدما كانت القبائل العربيّة قديمًا تحتفل ببروز شاعر بين أفرادها، ها نحن نندب كلّ يوم شاعرًا أو روائيًّا أو فنّانًا من غير أن يكون عندنا كبير ثقة في أنّ الذين سيأتون بعدهم سيملأون هذه الفراغات الهائلة.
غير أنّي أريد اليوم أن أنظر إلى موت الطيب صالح من زاوية أخرى. فهذا الروائيّ السودانيّ الذي تعرّفت إلى رواياته منذ أن كنت على مقاعد الدراسة، يدفعني اليوم إلى تقديم التحيّة إلى هذه اللغة العربيّة الجميلة التي جمعتني أنا اللبنانيّة المسيحيّة المارونيّة بذلك الكاتب السودانيّ المسلم، على الرغم من فارق العمر واختلاف التجربة. وحين أنظر إلى الأمر من هذه الناحية، أكتشف أنّ ذلك، بمعزل عن الشعور بالأسى تجاه كلّ موت، رائع وغريب ولامحدود. ففي ذاكرتي الآن مثلاً وعلى سبيل المثال لا الحصر وفي خليط من الموتى والأحياء والأفارقة والأسيويّين والرجال والنساء: نجيب محفوظ من مصر، وغسّان كنفاني من فلسطين، ومحمد شكري من المغرب، وتوفيق يوسف عوّاد من لبنان، وحنّا مينا من سوريا، وأحلام مستغانمي من الجزائر، وغازي عبد الرحمن القصيبي من السعودية، وليلى العثمان من الكويت، وغيرهم وغيرهنّ من الأسماء التي لا مجال لحصرها. هذا في الرواية. ثمّ يقفز من الماضي شعراء البوادي والحواضر من مختلف العصور، ليتكلّموا معي باللغة نفسها فيجيبهم شعراء مخضرمون ومعاصرون من مختلف المدارس والتيّارات والاتّجاهات والانتماءات، فضلاً عن الدارسين والفقهاء والمؤرّخين وعلماء الاجتماع والرحّالة والفلاسفة، ومع ذلك ننتظر كلّنا أن يُمنح واحد منهم جائزة نوبل للآداب من دول أجنبيّة. أليست مفارقة كبرى – معيب أنّها صارت تقليديّة في بلادنا – أن تتجاهل السودان الطيّب صالح خلال حياته وتمنع روايته الأكثر شهرة ثمّ تطالب بأن يدفن في أرضها وأن يقام له مأتم رسميّ فيها؟
لماذا ننتظر التكريم من الغرب، وفي الغرب كثر يرفضون الجوائز، أأدبيّة كانت أم فنيّة، معتبرين أنّها تمنح لغايات سياسيّة وأهداف خاصّة ومصالح تخدم بعض الدول؟ وما الذي يمنع العرب عن إنشاء جائزة تفوق في قيمتها الماديّة وفي أبعادها المعنويّة جائزة نوبل؟ فلا المال ينقصهم، ولا أصحاب الكفاءات والمواهب، فإلامَ يبقى شعراؤنا وأدباؤنا على لوائح الانتظار يقدّمون الطلب تلو الطلب لتتكرّم عليهم لجنة منح الجوائز بواحدة؟
في المقالات التي حيّت الطيّب صالح بعد وفاته تأكيد على أنّ روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" التي أسسّت لشهرته اعتبرت عام 2002 من أفضل مئة رواية في التاريخ الإنسانيّ وفق قرار اتّخذه مئة من كبّار الكتّاب الذين ينتمون إلى 54 دولة، وعلى أنّه فيها سبق سواه في الحديث عن صراع الحضارات وأنّه فضّل الحياة على الكتابة فكان إنتاجه قليلاً بالنسبة إلى عمره المديد ومع ذلك ترك أثره في الأدب والحياة بسبب إبداعه وشخصيّته. ويؤكّد رعيل الأدباء الذين كانوا مقرّبين منه على نبله وأخلاقه وحسّه الفكاهيّ وانسجامه مع مبادئه وأفكاره وعروبته وإسلامه من دون أن يتقوقع على ذاته أو يرفض الآخر أو يخشى القراءة النقديّة للدين والتاريخ والمجتمع. ومحاضراته ومقالاته وأحاديثه الصحافيّة التي تسمح لنا نحن القرّاء بأن نستكشف ذلك، تؤكّد على هذا المنحى الفكريّ الشموليّ الذي طبع أدبه من دون أن ينسيه جذوره أو يبعده عنها.
غير أنّ السؤال الذي يخطر الآن على البال ليس عن جائزة نوبل وحرمان العرب منها لولا الاستثناء المصريّ الذي يثبت القاعدة، بل إن كان ثمّة أدباء آخرون في السودان لا علم لي بهم، وعند هذا السؤال يبدو موت الطيّب صالح أكثر إثارة للحزن والأسى!

ليست هناك تعليقات: