الجمعة، 25 سبتمبر، 2009

يوم الطالب عيد جديد في زمن المآسي



أعلنت وزيرة التربية والتعليم العالي السيّدة بهية الحريري تخصيص عيد سنوي لتلامذة لبنان يحتفلون به كلّ عام تحت اسم "يوم الطالب" وسيحدّد قريباً موعد هذا اليوم في شكل رسميّ.
لا شكّ في أنّ هذا الخبر أثلج قلوب التلاميذ الذين يحبّون الأعياد، وأكاد أراهم أمامي وهم يقفزون من الفرح بعدما نالوا يوم عطلة جديدًا يضاف إلى مواسم العطل وعندنا منها الكثير. وكم أتمنّى لو تقرّر وزارة التربية جعل هذا اليوم خلال فصل الصيف أو خلال يوم مدرسيّ عاديّ لأرى كم ستدوم فرحة الطلاّب بيومهم المنتظر.
حتّى الآن لم أعرف ما هي الغاية من الاحتفال بيوم الطالب، غير أنّي أرجو أن يكون موعد الإعلان الرسميّ عنه مناسبة لتوضيح أهدافه ونشاطاته، خصوصًا أنّنا مع انعدام الجديّة في موضوع التوجيه المهنيّ، ومع حيرة الطلاّب في الاختصاصات التي يجب أن يتوجّهوا إليها، وفي ظلّ الأزمة الاقتصاديّة، نخشى أن تضطّر وزارة العمل إلى تخصيص يوم سنويّ لطالب وظيفة مهما كان راتبها. فالطلاّب في لبنان ليسوا في حاجة إلى يوم احتفال جديد وهم لا يكادون يدخلون إلى الصفّ وينصرفوا إلى الدرس حتّى يحين موعد جديد لاحتفال جديد تقرّره طائفة أو يدعو إليه حزب أو يعلن عنه تيّار، فينصرف هؤلاء الطلاّب عن الدرس ويتبعون صوت العيد وصخب الاحتفال، وللعِلم من بعد ذلك طول البقاء ولكنْ... في غياهب النسيان. 
في مسرحيّة "دواليب الهوا" للأخوين رحباني وبطولة صباح نصري شمس الدين، يتبادل أهل القرية الرأي في قضيّة اختيار عيدهم وتطرح اقتراحات مختلفة كعيد الزيتون وعيد الحصاد وعيد الغلّة قبل أن يتّفق الجميع على عيد دواليب الهوا. وكانت "الأيّام" في بيوتنا وأعمالنا مخصّصة للعمل لا للعطل، فهناك يوم الطبخ وإعداد المؤن، ويوم العجن والخبز، ويوم تنظيف البيت، ويوم الذهاب إلى السوق، ويوم الاستحمام، ويوم غسل الملابس، ويوم الصلاة. ومن الواضح أنّ الأمر اليوم لا يختلف كثيرًا عن مواسم الأعياد وأيّام روزنامة العمل كما خلّد ذكرها المسرح اللبنانيّ وكتب التراث غير أنّها كلّها مخصّصة للعطل لا للعمل أو للكلمات لا للفعل: فعندنا الآن أيّام للأعياد الدينيّة وأيّام للأعياد الوطنيّة وأيّام للمناسبات الاجتماعيّة وأيّام لكلّ فرد من أفراد العائلة (عيد الأب، عيد الأمّ، عيد الطفل، عيد الجدّ) وأيّام لكلّ مهنة ولكلّ وظيفة ومناسبة (عيد المعلّم، عيد العمّال، عيد العلم، عيد الاستقلال، عيد الشجرة، ذكرى الشهداء، عيد الجيش، عيد المقاومة والتحرير، يوم الممرّضة، يوم السيدا، يوم المريض، يوم شرعة حقوق الإنسان، يوم البيئة، ...) والآن ينضمّ يوم الطالب إلى لائحة المناسبات التي تستدعي تأليف خطب ووضع كلمات لأغنيات وإطلاق شعارات وتعليق يافطات، كلّها من وحي المناسبة وتؤكّد على الآمال المعقودة على الطلاّب، خصوصًا أنّهم سيقفون كلّهم أمام أبواب السفارات طالبين هجرة هذا البلد، وعلينا أن نخصّص يومًا احتفاليًّا لوداعهم.
للأعياد معاني استذكاريّة يتوقّف عندها المرء ويستعيد رموزها وأفراحها وذكرياتها ويشحن نفسه بطاقتها المحيية ليتابع مسيرة الحياة. وللعطل مواعيد وضعت انسجامًا مع وتيرة العمل، فيرتاح الناس من ضغوط السعي لتحصيل العلم ثمّ الرزق ومن المنافسة الحامية للوصول إلى مراكز أكثر أهميّة. وكلّها مناسبات اجتماعيّة تسمح للناس باللقاء والاحتفال بنتيجة العمل المثمر وبالراحة وبالاستعداد لمرحلة جديدة. أمّا ما يحصل اليوم فليس فيه أيّ شيء من ذلك. فكم مرّة سمعنا حولنا من يقول: في يوم العطلة لا أريد أن أرى أحدًا، أريد أن أنام طوال النهار، وليس لي جلد على مكالمة أحد أو لقاء أحد. وكم مرّة سمعنا أنّ الأعياد لم تعد كما كانت، أو أنّ أفراد العائلة تشتّتوا على العيد وكلّ فرد سافر إلى بلد في رحلة استجمام، أو أنّ العطل تتباعد فيحلّ الإرهاق أو تتقارب فيصاب الناس بالملل.
وأخشى ما أخشاه، أن تفقد الأمور المزيد من طابعها الخاصّ وقيمتها المميّزة، وتتحوّل الأعياد والمناسبات والأيّام إلى حفلات خطابات النائمون فيها أكثر من المستمعين (خصوصًا بين الطلاّب)، والمستمعون أقلّ من المعنيّين، والمعنيّون فعلاً غائبون لأنّهم الوحيدون الذين يفهمون أنّ الأيّام كلّها أيّام للأمهّات والأطفال والآباء والأجداد والطلاّب والمعلّمين والعمّال والأرض والقدس والشهادة والتحرير، وحصر أيّ مناسبة في يوم يسمح بتغييبها في 364 يومًا، وهذا عكس المطلوب على ما أعتقد.

ليست هناك تعليقات: