الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 4 سبتمبر، 2009

ملكات الجمال والمهمّات المستحيلة

بوتيشيللي

ملكة الجمال الفرنسيّة لعام 2009 مهدّدة بحرمانها من عرشها وتاجها ولقبها إن ثبت أنّها صوّرت إعلانًا لملابس داخليّة مثيرة. ويقول المشرفون على لجنة الانتخابات إنّ هذا العمل غير لائق ويقدّم صورة لا تتلاءم مع المطلوب ممّن تحمل هذا اللقب.
من حقّ اللجنة طبعًا أن تحافظ على القوانين وتطبيقها وعدم التساهل في ما يخصّ الصورة المشرّفة التي يجب أن تكون عليها ملكة الجمال وعدم استغلال منصبها لأهداف ماديّة تجاريّة. ولكن من حقّنا أن نتساءل: أليس من شروط المباراة أن تعرض المرشّحات جمالهنّ في لباس البحر؟ أليست الهدايا والجوائز التي تنالها الملكة ماديّة وماليّة؟ ألا تهدف المتباريات إلى البروز الإعلاميّ والإعلانيّ بغية الانتقال لاحقًا إلى مجالات أخرى وأرباح أخرى؟ أم صدّق الجميع أنّ الملكات سيحققّن وعودهنّ المستحيلة التنفيذ في إحلال السلام والعدالة ومحاربة الفقر والأميّة والحفاظ على البيئة وسوى ذلك من الخطابات الرنّانة التي تلقيها الفتيات الشابّات على مسامع جمهور يصغي إليهنّ بعينيه الجائعتين؟ من المفروض ألاّ نحمّل الأمور الترفيهيّة أكثر من حجمها، وبغض النظر عن رأي كلّ منّا في هذه المباريات، لا يجوز أن نوليها الأهميّة التي تعطى لها في كلّ أنحاء العالم، وها هي وصلت اليوم إلى الجامعات في لبنان، ولم يعد المطلوب أن يعطى إكليل الغار للعلم والمعدّل المرتفع للعلامات بل للجمال والرقص الاستعراضيّ.
حين بدأت انتخابات ملكات الجمال في لبنان انتشرت في القرى والبلدات موضة اختيار ملكات محليّات ووزّعت ألقاب على عدد أنواع الفاكهة والزهور في لبنان: ملكة جمال التفّاح، ملكة جمال الزيتون، ملكة جمال الزهور، ملكة جمال الليمون، ملكة جمال الكرز، وهكذا كانت الألقاب مرتبطة بالمواسم. الآن، نحن في عصر العلم، والعلم (نورن) لمن لا يعلم، وبالتالي يجب أن تتغيّر الألقاب: ملكات جمال الكمبيوتر، ملكة جمال التلفزيون، ملكة جمال المراهقات، ملكة جمال المدرسة، ملكة جمال الجامعة. ودخلت التلفزيونات على خطوط التنظيم والرعاية والترويج والتقديم، وقدّمت المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال حفلة أسبوعيّة لانتخاب ملكة جمال إحدى الجامعات، في حضور العمداء والمدراء والأساتذة. ونستطيع الحكم في سهولة على المستوى الاجتماعيّ لطالبات هذه الجامعات من لباسهنّ وتصرّفاتهنّ وكلامهنّ، وبالتالي صرنا قادرين على التمييز بين الجامعات ذات المستوى العالي (جماليًّا وماديًّا)، والمتوسّط، والعاديّ. أمّا مستوى النجاح والتفوّق والشهادات فذلك ما لا مكان له على الشاشات. فالمجتهدات المتفوّقات الذكيّات والأقلّ جمالاً من سواهنّ قبعن في المنازل يراقبن زميلاتهنّ على الشاشة ويفكّرن في قرارة نفوسهنّ في أنّ أمّهاتهن سيمتن في حسرة المقارنة، فالقرد لم يعد في نظر أمّه هو الغزال كما كانت عليه الحال بل الغزال هو من يحسن غزل شباكه حول طريدة دسمة، وفي عصر الأزمات الاقتصاديّة ليس من الذكاء أن نأخذ القرد بسبب ماله، فالمال سيتبخّر وسيبقى القرد على حاله.
الإشكاليّة التي تطرحها هذه المسائل هو الخوف من الوقوع في التطرّف بسبب غياب الحسّ النقديّ والتحليل المنطقيّ. فليست الحلول الرفضيّة هي الحلّ، بل السعي إلى إقامة نوع من التوازن بين تقدير الجمال والأناقة وتقدير الإبداع والاجتهاد. فالمجتمعات تنمو بالتنوّع والتكامل، والحياة تحتاج إلى عناصر، ولو متناقضة، لتكتمل دورتها. فهل يعجز عقلنا عن إيجاد مباراة جديدة لا علاقة لها بما نستورده من العالم، تجمع بين الجمال والعلم والظرف والأخلاق؟ وهل نحتاج إلى مباريات عن الجمال ونحن كنّا السبّاقين إلى التغزّل بالجمال، وشعرُنا العربيّ، وهو سجّل تراثنا وعاداتنا، شاهد على ذلك؟ أم صرنا نستسهل النسخ الآليّ الذي عوّدنا على الخمول الذهنيّ؟

ليست هناك تعليقات: