الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 5 سبتمبر، 2009

من مصلحة العرب أن يحافظوا على طبيعة لبنان



يوم واحد في صيفيّات بحمدون أو عاليه يكفي كي يكتشف الواحد منّا أنّ ما يأتي أكثر الخليجيّين من أجله إلى لبنان ليس ما نظنّ أنّهم قادمون من أجله، أو على الأقلّ ليس ما كنت أظنّ أنّهم يأتون من أجله.
كنت أظنّ أنّ الخليجيّ يأتي إلى لبنان كي يستمتع بالطبيعة الخضراء، ومناظر الوديان والجبال والهواء البارد والضباب المتسلّل من النوافذ والأبواب، غير أنّني رأيت الخليجيّين ينامون إلى ما بعد الغروب، ثم يخرجون إلى المقاهي والمطاعم، فيجلسون على الشرفات المطلّة على الشارع حيث يتسكّع المتنزّهون، أو يقبعون أمام شاشات الإنترنت للثرثرة واللعب، وعند منتصف الليل أو بعده بقليل تبدأ السهرة مع المطربة والمطرب اللذين يحييان حفلة تمتدّ إلى ما بعد طلوع الضوء. ولا يجلس إلى جهة الجبل أو الوادي إلاّ من أراد الاختلاء بمن معه بعيدًا عن الأعين، وليس لتأمّل مناظر الطبيعة. نعم، كنت أظنّ أنّ الخليجيّ يأتي إلى لبنان من أجل الاصطياف ثمّ تبيّن لي أنّ الكثيرين منهم يأتون من أجل أطياف بشريّة فنيّة ووهم حريّة.
لا حاجة للقول طبعًا أنّ هذا الكلام العامّ في عناوينه يترك لحسن الحظّ حيّزًا كبيرًا لاستثناءات تطال كلا الجانبين: الخليجيّ واللبنانيّ. ولكن ما نتحدّث عنه هنا هو الجوّ السائد في مناطق الاصطياف التي، ومن نِعَم الصيف الآمن عليها، تعرف في شهري تمّوز وآب الكهرباء والماء والإسفلت والحركة التي فيها بركة لأصحاب البيوت والمطاعم والمتاجر.
ولكن من مصلحة العرب أن يحافظوا على طبيعة لبنان. هذا ما أفكّر فيه كلّ مرّة أكتشف قصرًا قيد الإنشاء أو فيلاّ في طريق الإنجاز أو بناء من طبقات شاسعة صار جاهزًا للسكن. فهذه المساحات الشاسعة التي أزيلت منها الأشجار والنباتات والأزهار البريّة التي تعطي لبنان طابعه المميّز، وهواءه النقيّ (في الجبال طبعًا)، ومناظره الساكنة ماذا سيبقى منها إذا تحوّلت مدنًا عابقة بنكهات الأراكيل في المقاهي، وملوّثة بأصوات تدّعي الطرب والفنّ، ومدروزة بالقصور التي يزورها أصحابها خلال شهر واحد وتخلو من الحياة خلال باقي أشهر السنة؟ طبعًا لا يملك العربيّ القادم إلى لبنان مخطّطًا مسبقًا يريد تنفيذه لتشويه لبنان، وهو حين يعهد بأمر البناء لشركة مقاولات أو مكتب هندسيّ إنّما يفعل ذلك واثقًا من أنّه سيجد مع حلول الصيف منزل أحلامه، ومصيف العائلة المتكامل. ولكن بات على العربيّ المستثمر في لبنان أن يوضح لمن يضع بين أيديهم مسؤوليّة تنفيذ حلمه أنّه أتى إلى لبنان لا بسبب طرقاته المزدحمة ونظام سيره "الفوضويّ"، ولا لأنّ طريق الجبال خطرة بسبب شاحنات النقل الخارجيّ، ولا بسبب التقنين في الكهرباء والماء (لولا بعض حياء يجعلهم يفعلون ذلك خلال فترة قبل الظهر حين يكون السائح نائمًا)، ولا بسبب الغلاء أو الوضع الأمنيّ القلق، بل بسبب طبيعة لبنان المختلفة عمّا يحيط بها في العالم العربيّ. ولذلك يجب أن يكون الحفاظ على الحدّ الأدنى من مساحة الأرض الخضراء عوض القصور والشقق والمسابح مطلبًا عربيًّا أوّل في غياب أيّ تشريع لبنانيّ ينظّم هذه الأمور. ولن ينتظر أحد من مهندس، ألبنانيًّا كان أو غير لبنانيّ، أن يفكّر في حلول وطنيّة بيئية مستقبليّة في حين أنّه قادر على جني أرباح طائلة من مشروع لا يشرف عليه أصحابه.
ويوم تتغيّر طبيعة لبنان، وتنخفض الجبال وترتفع الحرارة، وتختفي الأشجار وتظهر الصحراء، فلن تكون هذه القصور إلاّ حجارة بكماء لا تستطيع أن تشهد على أيّة حضارة، وقد تمّر عصور من غير أن تسقط قطرة مطر تملأ أحواض مسابحها الفارغة، ومن غير أن يمرّ عصفور في فضائها الأغبر، ومن غير أن نجد نبتة واحدة بين رخامها البارد.

ليست هناك تعليقات: