من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 13 أغسطس، 2016

في أربعين جار الرضا نعمان حرب

جدّو نعمان مع كارول وشربل

يوم رحل جارنا نعمان حرب سألتني شقيقتي سميرة إن كنت سأكتب عن جار الرضا.
جار الرضا؟ لم أكن لأجد عنوانًا أكثر تعبيرًا من هذه الصفة التي أطلقتها سميرة بشكل عفويّ على رجل عاش كزهرة بنفسج ورحل كنسمة عطرة.
مع كلّ رحيل تصاب به الريحانيّة، أقول: خلص! لن أكتب عن الموت والرحيل بعد الآن! وامتنعت طيلة أربعين يومًا عن الإشارة إلى هذا الرجل الطيّب. بل فعلت أكثر، أغلقت صفحة الريحانيّة – بعبدا على الفيسبوك وبدأت في الإعداد لإغلاق مدوّنة الريحانيّة.
فالريحانيّة التي كنت أعرفها ترحل مع كل رحيل فلا يبقى منها سوى كومة صور ومجموعة ذكريات، نحاذر حين نجتمع استحضارها لئلّا نبكي... على أنفسنا!
اليوم، في ذكرى أربعين نعمان حرب، وفي إطار بحث كنت أجريه وضعت اسم الريحانيّة - بعبدا على محرّك البحث غوغل، وجدت أنّ بلدتي محصور ذكرها بمواضيع محدّدة مثل: مدوّنة الريحانيّة التي أنشأتها، شقق للبيع، وسجن الريحانيّة التابع للشرطة العسكريّة. وأسفت لأنّ مواقع البحث الإلكترونيّة لم تكن موجودة حين كانت الريحانيّة "بيتين وتنّور" ومجموعة جيران انصهروا في بوتقة حياة واحدة، فلا تعرف من منهم كان من أهلها ومن منهم كان من سكّانها.
اليوم في ذكرى أربعين جار الرضا، أعود لأكتب، فتعود إليّ صورة رجل أنيق ولطيف ومهذّب ومحبّ. بقي عازبًا يرعى ولدي شقيقه بهجت الذي رحل فجأة، فكان العمّ الذي يعطي بلا سؤال، وحين تزوّج ولدا شقيقه صار الجدّ الذي بقي لا يسأل لمن يعطي ولماذا. كأنّه ما ولد إلّا ليعطي! كأنّه ما أتى إلى هذه الحياة إلّا لكي يكون إلى جانب من يحتاج إليه.
أذكر اليوم كيف كان يمرّ بخفر وحياء، فلا يلتفت إلّا حين يُنادى، ولا يزور إلّا للقيام بواجب اجتماعيّ، ولا يفرض نفسه حتّى على أهل بيته. احترم الكبير والصغير، فكنّا، نحن الذين نصغره بكثير، نشعر بالفخر حين نراه يقف لنا احترامًا حين نصل، وكيف كان يسأل عنّا، ويفرح لفرحنا ويحزن لحزننا. ولعلّني حين أنظر إلى الأجيال الجديدة التي بالكاد تردّ التحية وبالكاد تتحرّك في مقاعدها حين يصل ضيف، أشعر بالأسى أكثر وأكثر لغياب رجل من طينة جار الرضا، عمّو نعمان، وأخشى على من بقي من جيله من غياب يأخذ معه التهذيب واللياقة ودماثة الخلق وحفظ أمانة الشقيق الراحل: جارنا جورج صوما يصارع المرض، جارنا أنطون داود يقاوم العمر، جارنا شحّود جرجس ترك الريحانيّة ونسي قلبه فيها، عمّو طانوس نخله يحنّ إلى فيء السنديانة التي قبّلها قبل أن يهاجر إلى أستراليا، عمّي بشارة يريد أن يقهر الشيخوخة، ووالدي يتحدّى التقدّم في السنّ، ووالدتي لا تستعيد عافيتها إلّا حين يناديها واجب اجتماعيّ فتنهض لتشارك، أو تستدعيها خدمة فتهبّ لتلبّي...
كان جارنا نعمان، الذي عانى آثار التهجير من الجبل، يجد في الريحانيّة بيتًا وفي أهلها عائلة. فلم يكن إيلي ووديع، ابنا شقيقه، هما وحدهما ولديه، بل تبنّى كلّ أترابهما وأصدقائهما. ولم يكن شربل وكارول وحدهما حفيديه، بل كان جدًّا لكلّ مَن مِن جيلهما. فكأنّ الحياة التي حرمته الزواج والأبوّة عوّضت عليه بقلب يتّسع لعائلة شقيقه الراحل، وللشقيقات وأولادهنّ، وللجيران والأصدقاء وزملاء العمل في الأمن الداخليّ.
بعد أربعين يومًا على رحيل وجه من وجوه الريحانيّة، أكتب عنه لعلّ هذه البلدة التي كانت حقولًا وينابيع وفراشات، تنجو من كونها مجرّد شقق فخمة للبيع أو من مصيرها كسجن للإرهابيّين.
أكتب عنه لعلّ الكلمات تبقى، لتذكّر أجيالًا قد تقرأ يومًا أنّ ثمّة بقعة في لبنان عاش فيها ناس بسطاء، يحلمون أحلامًا بسيطة، حصروها بين الأرض وكنيسة مار الياس والبيوت التي بدت في مرحلة من الزمن بيتًا واحدًا، قبل أن يحمل جميع من فيها شهادات عالية وتلفونات ذكيّة...
أكتب عنه، لأطوي معه صفحة جديدة في كتاب الريحانيّة كما كنت أعرفها وأحبّها قبل أن أصير فيها سجينة أبنية شاهقة ومواقف سيّارات متنازَع عليها وأجيال من الشابات والشبّان ورثوا أملاك من سبقهم ويتنازعون عليها، وما زلت أنتظر كي أرى إن كانوا ورثوا أخلاقهم... وبساطتهم!

عمّو نعمان! سلّمْ على من كانوا جيرانك هنا وأهلك... وصلّوا من أجلنا!

هناك تعليق واحد:

ميشال مرقص يقول...


قد تكون الريحانيّة كما عرفتها = قلبك النابض، لا بل هي!

أنتِ مرآةُ أجيالٍ لا تصدأ!

الريحانية تعتزُّ بجيلٍ تكتبين عنه بجماليّة!

تعتزُّ بكِ للأجيال المقبلة!

أيتها النرجسُ العاشقُ للجمال والحياة!

أنتِ لوحةُ النُبل!