الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الخميس، 4 أغسطس، 2016

من يوميّات الفيسبوك (4 آب 2016)

Vladimir Kush

2016

أجمل النساء امرأة تنظّف بيتًا ليس بيتها... ولا تنتظر أجرًا!

***********
2015
استيقظ مختار قرية "بيتين وتنّور"، ولم يجد ركوة القهوة إلى جانب سريره. انشغل باله على المختارة، فنفض عنه اللحاف وقام ليبحث عنها. وجدها إلى طاولة المطبخ، منكبّة على الكتابة وتختيم الأوراق بختمه الرسميّ.
الطنجرة فوق النار، والصحون نظيفة، وكلّ شيء في مكانه، فالمختارة إذًا بخير.
سألها حين لم تعره اهتمامًا: شو عم تعملي مختارة؟ شو فيه؟
أجابت من دون أن تلتفت إليه: قرّرت أعمل مهرجان بالضيعة!
اضطرب المختار وقال في نفسه: جنّت المختارة. ثمّ ملأ الركوة ماء ووضعها على النار، وهو يسألها بلهجة محايدة كي لا يثير حفيظتها: مهرجان شو من غير شرّ؟
مهرجان الشمندور! أجابت المختارة بكلّ جدّ ووقار.
أفلت المختار قهقهة مدويّة، فتركت المختارة ما كانت تفعله ونظرت إليه مليًّا قبل أن تجيب: شوف مختار! تمسخر قدّ ما بدّك. أنا اخترتك ومخترتك، بس خلصنا! من وقت ما استلمت الختم، ما عملت شي ينفع الضيعة، والبلد كلّو مليان مهرجانات، وما في مرتْ مسؤول إلّا ما عملت مهرجان وتريّشت وتريّست. وبما إنّو ما حدا أحسن من حدا، رح أعمل مهرجان تكريم لبقرتنا "عيّوقة" ورح يكون إسمو مهرجان الشمندور.
ارتمى المختار على الكرسي المواجه، وفي باله فكرة واحدة: ماذا يفعل أمام حالة زوجته العصبيّة؟ لكنّه تماسك وقال وهو يقلّب عينيه بين الأوراق التي تعلن فيها المختارة عن مشروعها:
- يا مرا شو صرلك؟ بدّك تضحّكي الناس علينا؟ حدا عاقل بيعمل مهرجان بضيعة آخر الجرد وما فيا غير بيتين وتنّور؟
قاطعته المختارة: لو كنت مختار شاطر كان صار التنّور معلم أثريّ بيجيب السوّاح...
بهت الرجل، لكنّه تابع: بلا جنون دخيل ربّك عند هالصبح. مهرجان قال، مهرجان الشمندور كمان... ليش مين رح يفهم شو يعني الشمندور أصلًا؟ تخيّلي مذيعات التلفزيون عم يتحزّروا شو يعني الشمندور... اعملي قهوة وبلا هالمسخرة...
صرخت به زوجته: بعد ناقصني إعتل همّ مذيعات التلفزيون! ليش هنّي بشو بيفهموا أصلًا... بعدين واجباتنا نعلّم الناس التراث، والشمندور من التراث...
حاول الرجل أن يكتم غيظه، وقال مسايرًا: طيّب. فيي إفهم منين طلعتلك هالفكرة؟
استقرّت المرأة في كرسيها وهي تطمئن نفسها إلى أنّ زوجها بدأ يقتنع بالفكرة:
- نسوان الزعما من وقت زلفا شمعون بيعملوا مهرجانات، وأنا مش ناقصني شي ت أعمل مهرجان غير شكل، يحكي عنّو البلد، ونعرّف الناس ع ضيعتنا، حتّى نحرّك العجلة الاقتصاديّة فيا.
- هلأ، بقرتنا "عيوقة" يللي بالكاد فيا تحرّك إجريا، صار مطلوب منها تحرّك العجلة الاقتصاديّة؟ وضيعتنا يللي كلّ ولادها نزحوا عنها، وأوّلن ولادنا، بدّك ياها تصير حديث الناس؟ شو جنّيتي؟ بعدين يا مرا عم تحكي عن زلفا شمعون إنتي؟ ما نحنا عم نتمسخر ع نسوان النوّاب والزعما المفكّرين رجالن متل كميل شمعون يللي بني المدينة الرياضيّة بنصّ بيروت مش بضيعتو، ومرتو عملت معهد للعميان متل ما عملت مهرجانات بعلبك...
- والله مختار ما بها شي معلوماتك!!! مش هيّن حضرتك!!! بس بكون مجنونه إذا بتركك تغيرلي مشروعي. ما رح ردّ عليك.
- طيّب ليش ما بتعملي شي تاني ما خصّو بالمهرجانات وهالمسخرة، اعملي شي عن الزباله، ما البلد كمان مليان زباله مش بس مهرجانات...
- ومين قلّك ما فكّرت؟ رح أعمل مهرجان الصيصان للأولاد...
- شو؟ وشو خصّ الصيصان بالزباله والأولاد؟
- الله يساعدني عليك، بدّي ضلّ إشرحلك... منعلّم الولاد إنو الصيصان بياكلو الزباله العضويّة، وهيك منعمل بطاقة الدخول كيس زباله من بقايا الأكل..
هبّ المختار عن كرسيه هبّة عنيفة، فوقعت كرسي المخترة. وصرخ بزوجته:
- نشّفتي دمي ونشّفت المي بالركوة، قومي اعملي قهوة، هيدا يللي بينفعك هلأ. بلا مهرجانات بلا بلّوط. ورح إحكي ولادك يجوا ياخدوك عند شي حكيم... بعد ناقصني بهالآخرة إحكي كلمة بمهرجان الشمندور والصيصان!!
- غلطان مختار! إنت ما رح تحكي شي! أنا المشرفة ع المهرجان، وأنا يللي رح وصّي ع فستان وإطلع إحكي، ليش يللي عم يطلعوا يحكوا أحسن منّي... شوف نسوان المخاتير حوالينا مْرات وحيد ومْرات سعيد ومرات سليم ومْرات نبيل، كلّن عملوا مهرجانات وكلّن ربيوا ع الشمندور، وليك اسم الله وين صاروا، وين الغلط نذكّرن بطفولتن؟... بعدين متل ما في مهرجان للكرز والتفّاح والزهور والجنارك، لازم يكون في مهرجان للشمندور! هيك قرّرت...
- وأكيد بدّك تنقّي مطربه تغنّي بالمهرجان، مين من غير شرّ اخترتي؟
- نسيت إسما، هيدي يللي نافخه حالا وما بتعرف تغنّي بس بتجيب ناس!
- حلو كتير! يعني "عيّوقة" وإنتي والمطربه، وولاد حاملين زباله وعم يغنّوا للصيصان، مش ناقص غير حمار متلي ينعزم ع العرس!
- إيه مختار! بس مش أيّا حمار! حمار بختم رسميّ! بتفرِق منيح...


 ***********
2014

لا أحتمل حبًّا بلا مشاكسة ونقاش ...
الحبّ الهادئ يشبه الحلوى الذائبة...

 ***
بترجّاك
ما بقا تفكّر فيي
مش عم بقدر نام

 ***
بس عرفت إنّو العمر كان عم يركض صوبك ما عدت زعلت إنّي كبرت
 ***
سؤال: 
الناس يللي مع الجيش ليش ما بيرفعوا علم لبنان ع سيّاراتن وبيوتن متل ما كانوا رافعين أعلام المونديال... ما إذا لا سمح الله فشل الجيش روسكن رح تصير طابات يلعبو فيها جماعة داعش... شو ما كانت طايفتكن...؟؟؟

*** 
حبيبي عندي سؤال:
إذا بحبّ الأرض يللي بتمشي عليا ما بيكون هيدا موقف وطنيّ مشرّف؟؟

 ***
بخصوص الجيش والشعب البليد: (بالإذن من زياد الرحباني)
يا جماعة ما فيكن تكونو مع الجيش وحسابكن بالدولار لأنو ما بتوثقو بالليرة اللبنانيّة/ وما فيكن تكونو مع الجيش وضدّ بعضكن/ وما فيكن تكونو مع الجيش وضد البيئة/ وما فيكن تكونو مع الجيش وما تقولولو وين عم يغلط مش تسايرو، ولكن مش هوّي وبعزّ المعركة...
أنا مع الجيش ولكن مش مع يكون العسكري خادم عند مرت الضابط، وشوفير لولاد الضابط ومنظّف سجّاد عند حماة الضابط
أنا مع الجيش ولكن مش مع إنو العسكري يسبّ ع الطرقات وياكل بزر ع الحاجز ويكبّزبالة ع الأرض
أنا مع الجيش مش لأنو عم ينقال إنو جيش المسيحيين متل ما كانو الفلسطينيين جيش السنة
أنا ما بحبّ الأنظمة العسكريّة، بس كمان ضد ديمقراطية الحمير...
ولا بطيق البدلة الوحدة ولو كانت ع جسم طبيب أو كاهن أو تلميذ مدرسة...
أنا مع الجيش مش لأني بدي قائدو يجي رئيس جمهورية، (بخاف عليه يكون أقلّ من فؤاد شهاب)
ولا لأني مع حزب الله، لأنو الله تبع حزب الله مش هوّي زاتو الله يللي أنا بآمن فيه وبلا ضحك ع الدقون (إلهي مات وقام وإله المسلمين لم يمت ولم يقم)، بس هنّي أحرار بإيمانن وأنا حرّة بإيماني، وإذا بدّن يحاربو بسوريا كمان هني أحرار وما إلي معن شي... والشيعة يللي بعرفن وبحبّن بيشبهوني وما بيشبهو ولا رجل دين...
ولا لأني ضد السنة بمخيم نهر البارد أو بعرسال أو بحيالا مطرح تاني، لأنو السنة يللي بعرفن وبحبّن ما خصّن لا بالله وبلا سنتو، وكمان بيشبهوني وما بيشيهو ولا رجل دين...
بس لمّا بسمع إنو وليد جنبلاط يللي هجّر مسيحيّة الجبل معترض ع تهجير مسيحيّة الموصل، وبس يضل نبيه برّي رئيس مجلس النواب مدى الحياة، وبس سعد الحريري وحسن نصرالله بيخاطبو الناس من ورا الشاشات، وبس سمير جعجع وميشال عون بيتقاتلو ع كرسي رح يسوّس خشبا (لأنو مش من خشب الأرز الشهير)... وبس فكّر للحظة بأنو راسي معقول يطير بسيف داعشيّ بأيّا لحظة، ولأنو طبعًا المسيحيين ما معن سلاح وإذا صار معن رح يوجّهو ع بعضن، وبس فكّر إنو الوضع هالقد دقيق وما عاد خيار مترف تكون مع الجيش بل خيار وحيد، فما بيعود في داعي للحكي والجدل العقيم، وبلا شعارات فاضية أكيد متل يافطات البلديات يللي كلا أخطاء لغوية وصفّ حكي، وبلا أغنيات صارت أكتر من عديد الجيش
لازم يكونو الكلّ مع الجيش ت يصير الجيش للكلّ، وما بيقدرو جماعة 14 آذار يكونو اليوم ضد الجيش وبـ 14 آذار الشهير وزّعو الصور إنو الجيش معن وعم يشارك بانتفاضة الاستقلال ويفتح الحواجز أمام الناس يللي عم يعطوهن زهور... 
يمكن الجيش بدلة (وأنا بكره البدلة) بس ما بيقدر يكون بدلة ع قياس كل حدا منكن...
وللحديث صلة...
ورح نشوف كم حدا رح يضهر من الصفحة اليوم 

وللبيان حرّر...

 ***********
2012

في تلك العتمة المضيئة
لم تكن سيكارتك وحدها هي التي تحترق
لم تكن كأسك وحدها هي التي تنضح ماءها

 ***
إعلان مبوّب 3:
مطلوب رجل لا يصدّق المرأة حين تمثّل عليه أنّها في ذروة متعتها
 ***
إعلان مبوّب 2:
(من وحي مسلسل عصر الحريم)

مطلوب سلطان حقيقيّ، قصر الحريم مؤمّن
 ***
إعلان مبوّب 1:
مطلوب حبيب بدوام كامل
***
كولدين مشاغبين اختبأنا في معرض الكتب. انتظرنا موعد الإقفال بلهفة، راقبنا كيف يلملم الموظّفون أوراقهم، شاهدنا الكتّاب وهم يعدّون على أصابعهم عدد النسخ التي باعوها اليوم. سمعنا الأصوات التي تستعجل المتأخّرين. أحدهم صرخ: ما بقا حدا رح يجي يشتري كتاب آخر دقيقة، يلاّ يا جماعة بدنا نسكّر ونروح نرتاح. 
راحوا وبقينا أنا وأنت في المكان الشاسع. أمسكت يدي وقبّلتها وقلت لي: الليل لنا، وسكّان الكتب أصدقاؤنا ولا يجوز أن نتركهم وحدهم.
في تلك الليلة الربيعيّة، في ذلك المكان العابق برائحة الكتب، تمنّيت لو كان في إمكاني أن أحبّك أكثر ممّا أحبّ الكتابة.

*** 
تليق بك الحياة فلماذا تستعجل العبور يا صديقي العجوز؟
يليق بك الشِعر والجمال والشَعر الأبيض والتجاعيد المزروعة وردًا وشوكًا، يليق بك أن تضحك وتبكي وتغامر وتعشق، فلماذا تهتف بالغياب أنِ اقبلْ.
في جبالنا المهدّدة بالحرائق والأبنية العشوائيّة القبيحة والفيلاّت المنغلقة على من فيها، كان الناس يتمنّون لأحدهم: "تعيش ع قدّ ما الحياة بتلبقلك"، وكأنّهم يقصدون بذلك أنّ الإنسان لا نفع له إن لم يعد يليق بالحياة أو إن كانت الحياة لا تليق به. ويذهب الذهن عادة عند سماع هذا الدعاء إلى الصحّة الجسديّة والاتزّان العقليّ، ولكن لا شكّ في أنّ أمورًا كثيرة أخرى، تكميليّة ربّما لبعض الناس، تعطي الحياة مذاقًا خاصًا ونكهة مميّزة ولونًا يدعو إلى الفرح. الحبّ والرقص والغيوم والشِعر والأشجار والعواصف والبحر والتراب وسوى ذلك من مشاهد الوجود، تدعونا كلّها، إن غرقنا فيها، إلى التمتّع بالحياة، لكي نليق بها وتليق بنا.
وأنت يا صديقي العجوز تحسن كلّ ذلك، فلماذا تريد أن تغادر الحياة، والحياة وجدت لأمثالك من العاشقين الدائمين؟
الحزن نفسه يا صديقي العجوز يليق بك وكأنّه وجد من أجلك، لا لأنّك تستحقّ الحزن، بل لأنّك تعطي الحزن معاني ليست منه أو له، ولأنّك تسمو بالحزن ويسمو الحزن بك، ولأنّنا ننتظر حزنك لنرى أيّ شيء سيكون بعده ودائمًا يكون ما بعده جميلاً ورقيقًا ودافئًا وحنونًا حتّى أنّنا نحن المحيطين بك نخشى أن نتكلّم فنجرح صمته، أو نبكي فنهين بهاءه، أو نتحرّك فنعكّر هدوءه.
لا تنادي موتك يا صديقي العجوز، ولا تدر ظهرك للحياة، ليس الآن على الأقلّ، فأمامنا مشاوير تنتظر خطواتنا، وقبلات تنتظر شفاهنا، ومقاهي تنتظر رماد سجائرنا، وكتب تنتظر أن نتبادلها.
لا تسرع الخطى يا صديقي المرهق من الحياة نحو راحة لم يحن وقتها بعد، ولا تخضع لتعب أصفر لا يلائم لون عينيك، أو لملل رماديّ لا يناسب اخضرار الآمال المعقودة عليك. دع أناملي تتسلل إلى خصلات شعرك لعلّك تنعس كالأطفال وتغفو، دع دفء يدي يتمدّد في شرايينك لعلّك تنتصر على البرودة التي تحاول اقتحام قلبك. واستيقظ، استيقظ نشيطًا، وشابًا، لا يشبع من الحياة ولا يترك للحياة الفرصة كي تشبع منه.
فللأغبياء أن يصمتوا، وللجبناء أن ينهزموا، وللتعساء أن ينطفئوا، وللحاقدين أن يغرقوا في مستنقعات نتنهم، أمّا أنت فلك كلّ الكلمات، وكل الانتصارات، وكلّ التوهّج، وكلّ الأنهار المتدفّقة المتجدّدة.


  ***********
2011

عن منير أبو دبس
صحيفة الحياة، الأربعاء، 27 يوليو 2011
ماري القصيفي
صدر عن دار نلسن كتاب «منير أبو دبس والحركة المسرحيّة في لبنان 1960- 1975» لخالدة سعيد، وفيه كثير ممّا سبق ان نشرته الناقدة في كتابيها «الحركة المسرحيّة في لبنان» و «الاستعارة الكبرى في شعريّة المسرح» عن هذا المخرج الرائد ومساهمته الكبرى في تلك المرحلة الذهبيّة من تاريخ المسرح اللبنانيّ.
وتعود أهــــميّة الكـــتاب إلى أنّه يجمع بين دفّــــتيه (175 صفحــــة من القطـــع الصغير) ما تفرّق من معلومات في المرجعين الكبيرين المذكورين، ويشكّل مادة لا غنى عنها للمهتمّين بالمسرح اللبنانيّ عموماً أو بتلك الحقبة الفنيّة الخصبة.
يثير الكتاب، اضافة الى ناحيته العلميّة التوثيقيّة، حنينًا إلى لبنان لم نعرفه نحن الذين ولدنا مع الحرب، غير أنّنا نجده حاضرًا بقوّة في كتب تعيد قراءة تلك المرحلة، عبر الرواية والنقد والتأريخ. ولكنّه الحنين المشوب بكثير من الأسى بسبب العنف الذي قصم تلك البدايات الواعدة فأجهضها وكانت تعد بالكثير، علمًا أنّ جزءًا كبيرًا من ثقافتنا وحركتنا الفنيّة المعاصرة لا يزال يعتاش من تلك السنوات السمان، وغالبًا ما يعود ليرشقها بحجارة التنكّر والتجاهل. أمّا ملامح ذلك اللبنان وفق سيرة منير أبو دبس المسرحيّة فيمكن التعرّف عليها من خلال بعض العلامات الفارقة، وهي:
أوّلاً: الجمع بين الثقافات وصهرها في ما يلائم الواقع اللبنانيّ، فلم يسع أبو دبس إلى لبننة الأعمال العالميّة كما يحصل الآن ولم «يحاول أن يوجّه الاقتباس بحيث يصير النصّ معاصرًا أو ينطق بقضايانا وموضوعاتنا... فجلب المؤلّف إلينا هو في نظره إلغاء لحقيقته، كما أنّه إلغاء لسفرنا نحوه عبر إبداعه» (ص75).
ثانياً: المستوى الراقي للممثّلين والجمهور الذي كان نخبويًّا في طبيعة الحال بسبب نوع النصوص المسرحيّة المختارة ولغتها المشغولة بالعربيّة الفصحى التي عمل عليها تأليفًا أو ترجمة أو اقتباسًا أنطوان معلوف وأنسي الحاج وأدونيس وخالدة سعيد وسواهم.
ثالثاً: اعتبار المسرح مكانًا ذا قدسيّة معيّنة تتطلّب طقوسًا خاصّة لا يجوز الإخلال بها أو إهمالها، وذلك يعني الالتزام والاحترام والاهتمام بأدقّ التفاصيل، وهنا تلفتنا العناية التي كانت تعطى للكرّاس الذي يوزّع على الجمهور، وهو أمر يستحقّ دراسة تعالج تاريخ المسرح وتطوّره أو انحسار دوره من خلال الكرّاسات نوعًا وحجمًا ومضمونًا وقيمة توثيقيّة.
رابعاً: الالتفاف حول مسرح منير أبو دبس بدءًا من لجنة مهرجانات بعلبّك، فحين سألت سلوى السعيد رئيسة لجنة الفولكلور عهد ذاك الشابّ العائد من فرنسا: ماذا تطلب أو ماذا تشترط لكي تبقى وتعمل في لبنان، كانت مرحلة جديدة من تاريخ المسرح اللبنانيّ تبدأ، إذ أصبح أبو دبس «أوّل مسرحيّ لبنانيّ، بل أوّل مسرحيّ عربيّ، يربط بين العمل في المسرح وبين تأسيس مدرسة» (ص 44). ولم تبخل الصحافة على «معهد التمثيل الحديث» بالتشجيع، وكذلك ساندته نخبة من المثقّفين كميشال أسمر مؤسّس الندوة اللبنانيّة والشاعر جورج شحادة، وسياسيّون ككمال جنبلاط وأمين الحافظ.
خامساً: الاهتمام باللغة العربيّة، فأبو دبس كان مسحورًا باللغة العربيّة الفصحى وموسيقاها وحضورها الاحتفاليّ، فضلاً عن أنّه قادم من قلب الحركة المسرحيّة الأوروبيّة (ص7). ومع أنّ النخبة المثقّفة لم تكن تثق بإمكان قيام مثل هذا المسرح باللغة العربيّة (ص9)، إلّا أنّ أبو دبس ربح الرهان واستطاع أن يضع حجر الأساس لمسرح استفاد من التجارب الغربيّة الحديثة في الأعمال الكلاسيكيّة وأوصلها إلى النخبة المثقّفة اللبنانيّة بلغة عربيّة صافية.
في تمّوز (يوليو) 1970 تقرّر إقفال المعهد بعدما انفصل أبو دبس عن لجنة مهرجانات بعلبّك الدوليّة، وكانت خلافات في الرأي وأسلوب إدارة الفرقة أبعدت مسرحيّين واكبوا البدايات، وعلى رغم أنّ منير أبو دبس قدّم بعد ذلك بين لبنان وفرنسا أعمالاً مســرحيّة متبـــــاعدة في الزمــــن ونــــشر كتبًا باللغة الفرنسيّة، إلّا أنّ الحرب اللبنانيّة هي التي ستقفل عمــــليّاً الستارة على عهد مسرحيّ راق لن يعود في طبيعة الحال غير أنّه يستحقّ التأمّل فيه والتعلّم منه، ولذلك كان ضروريًّا أن تولي دار النشر إخراج هذا الكتاب وطباعته وصوره ومراجعته اللغويّة عناية كبيرة تليق بالمضمون.

***
رسالة متأخّرة إلى محمود درويش

هي رسالة تحمل بعض أسئلة وخزني شوكها وأنا أشاهد سلسلة البرامج والمقابلات، أو وأنا أقرأ سيل التعليقات والشهادات، وكلّها مستوحاة من موتك/الحدث.
السؤال الأوّل: من أين لك يا رجل، يا شاعر، كلّ هؤلاء الأصدقاء؟ كلّ من أجرى معك حديثًا صديق. وكلّ من وقّعت له ديوانًا صديق، وكلّ من جلس قربك في الندوة صديق، وكلّ من ألقى التحيّة عليك صديق، وكلّ من توسّل إليك كي تظهر معه في صورة واحدة صديق، وكلّ من لحّن أغنية من شعرك صديق. أمّا طلال سلمان، وأنا أصدّقه فيقول: إنّ أصدقاءك لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. مساكين نحن بعدك، لأنّنا مجبرون على متابعة شعائر موتك الأدبيّة والشعريّة بقصائد ومقالات من كلماتك. أجل من كلماتك أنت، حتّى طلع على بالي أن أصرخ يا جماعة يا فارغين، اكتبوا عنه بغير شعره وغير رثائه وغير ألفاظه وغير عناوين دواوينه. الويل لكم! ألم يثر فيكم موته الرغبة في اختراع أحرف وكلمات جديدة؟ ألم تتعلّموا منه الإبداع لا النسخ، والشعر لا النظم، والصدق لا الخبث؟
السؤال الثاني: كيف عليّ أن أصدّق وجودك جثّة في هذا المكان الذي لا يتلاءم مع أناقتك ونظافتك ورهافة ذوقك؟ ثمّة ما لا يصدّق في المشهد كلّه، ثمّة خطأ ما. فطلال سلمان نفسه يقول كم أنفت نفسك من الغبار والأوساخ في مصر وسوريا حين زرتهما بعد خروجك من فلسطين وكنت تنتظر أن تراهما كما قرأت عنهما في القصائد والروايات. وفلسطين؟ ألم تخذلك مرّة بعد مرّة بعد مرّة؟ قم يا رجل من هذا القبر المعدّ على عجل، والبعيد كلّ البعد عمّا في الذاكرة الفلسطينيّة والتراث الفلسطينيّ من جمال وشعر وذوق مرهف في التنسيق والترتيب.
السؤال الثالث: ماذا فعلت أنت وكلّ من سبقك وعلى حساب صحّتكم وحريّتكم من أجل تقدّم هذه الأمّة فترًا نحو الأمام؟ ماذا فعلتم أيّها الشعراء والفنّانون والمبدعون لتجعلوا عالمنا العربيّ أفضل ممّا كان عليه يوم ولدتم؟ الشعر، الفنّ، الإبداع في مختلف وجوهه؟ كلّ ذلك لم يغيّر شيئًا في هذا المجتمع القبيح، الغبيّ، الفارغ! يستمع العربيّ إلى صوت فيروز ثم يبصق أمامك في الشارع من احتقان التبغ في رئتيه والجهل في رأسه، يتأوّه مع شعر أحمد رامي بصوت أمّ كلثوم ثمّ يشتم السائق الذي توقّف عند إشارة السير احترامًا للقانون، يدندن أغنيات عبد الحليم الحالمة ثمّ يصفع زوجته لأنّها تأخّرت في إحضار حذائه، ينشد قصائدك مع صوت مارسيل خليفة ثمّ يخرج ليطفئ إحباطه في أقرب ملهى ليليّ، يدعو إلى الثورة في كتبه ثمّ يستلم جائزة من حاكم يقمع المثقّفين ويصادر الصحف، يشاهد أفلام يوسف شاهين ثمّ يضع للحريّة شروطًا وقيودًا ليحميها من نفسها على حدّ قوله. ماذا فعلتم لنا أيّها المبدعون؟ وماذا فعلنا بكم؟
تموتون الواحد تلو الآخر، فنزداد قبحًا وبشاعة وغباء.
ترحلون الواحد بعد الآخر، فنتبارى في الرثاء.
تنطفئون في فقركم وغربتكم ويأسكم وأمراضكم، فتشعّ وجوه نجوم البرامج الحواريّة الذين يوظّفون من يقرأ لهم كتبكم ويشاهد أفلامكم ويستمع إلى أغنياتكم ويشرح لهم معاني لوحاتكم التي تزيّن جدران منازلهم الفخمة.
موتوا أيّها المبدعون، وسنترككم تشبعون موتًا لأنّ الأيّام ستشغلنا عنكم بما يشبع بطوننا وعيوننا وجيوبنا. موتوا، فنحن شعب لم يكن يستحقكم منذ ولدتكم أمّهاتكم، ولا تعتبوا على من يصرخ فوق قبوركم ويناديكم أن عودوا فهو وجد الفرصة المناسبة ليتفجّع على نفسه من دون أن يتّهم بالجنون. موتوا ولا تؤاخذونا لأنّنا ما زلنا على قيد الحياة.

***

(كتبت هذه المقالة ونشرت عقب وفاة الشاعر محمود درويش، أستعيدها مع بدء عرض المسلسل الذي يروي سيرته ويثير ردود فعل بين الرفض والقبول)

ليست هناك تعليقات: