الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 16 أغسطس، 2016

من يوميّات الفيسبوك (16 آب 2016)

(Csontváry Kosztka Tivadar (hungarian, 1853-1919

2012

ثمّة رأس استيقظ اليوم ووجد أنّه لم ينفصل بعد عن الجسد
ثمّة رجل استيقظ اليوم ووجد أنّ أحدًا لم يفكّر في خطفه بعد
ثمّة امرأة استيقظت اليوم وهي تتساءل: من أحبُّ أكثر أولادي أم بلادي؟
 ***
أيّها الشرف كم من الجرائم ترتكب باسمك!
لم أعد أصدّق أنّ والدًا يقتل ابنته إن كان الرجل الذي تحبّه ثريًّا كريمًا (أو صاحب سلطة وسلطان)، ولو رآهما، عاريين في السرير؛ أو أنّ شابًّا يقصف عمر شقيقته إن كان حبيبها من ذوي الدخل غير المحدود (أو من الفاعلين القادرين) ولو أنجبت منه دزينة أطفال غير شرعيّين، ما دام هذا الحبيب قد جعل الشقيق شريكًا له في المال والسلطة ونعيم الحياة.

جرائم الشرف، ولنكن صريحين، تجد تربتها الخصبة في عالم الفقر والعوز والخوف. وعدا ذلك فلا أحد يسأل عن الشرف إن كان المردود الماديّ لعلاقة عاطفيّة معيّنة يكفي كي ينعم الجميع بالبحبوحة والترف. عندنا في لبنان مثل شعبيّ يقول: "المال بيجرّ المال، والقمل بيجرّ السيبان"، وأضيف، والفقر يجرّ الجرائم، ولكن ليس بالضرورة جرائم شرف.
كان المال، ولا يزال، حلاّل المشاكل، خصوصًا في بلاد تحكمها شريعة الغاب، ويأكل فيها القويّ حقوق الضعيف، ولا ضمانات اجتماعيّة وصحيّة لمرضاها وعجزتها ومعوّقيها، ولم تخرج بعد من حروب أهليّة قضت على بعض أخلاق كانت لا تزال تجد لها مكانًا في نفوس أبنائها. ففي جوّ موبوء كهذا، يوضع الشرف في ثلاّجة في انتظار عودة الحاجة إليه، وتصير الشطارة هي الحلّ لمعالجة شتّى أنواع المشكلات، وتخطّي مختلف الصعوبات...والشطارة تعني أن يتعلّم الجميع من أين تؤكل الكتف...وسائر الأعضاء!
فالفقير اليوم لا يتوقّف كثيرًا عند مصدر غنى ابنته ما دامت تؤمّن له فواتير الكهرباء والمياه والاستشفاء، فكيف يمنعها عن تحصيل ما يمكنها تحصيله وهو يعرف أنّه عاجز عن أن يؤمّن له ولها ولأخوتها ما يسدّ الحاجة؟ وكيف يمنع شاب أخته من الزواج بثريّ عربيّ أو أجنبيّ، من دينها أو من غير دينها، ما دام هذا العريس اللقطة قد اشترى للشقيق شقّة فخمة وجعله وكيل أعماله في لبنان؟ وكيف تعارض أمّ خروج ابنتها مع ابن الجيران المشبوه السمعة ما دام يلعب بالدولارات لعبًا؟
لا يستطيع الشرف أن يجد له مكانًا في عالم الرجال الكسالى الذين يسهل عليهم قتل نسائهم أو تعنيفهنّ ويصعب عليهم إيجاد عمل بل يرفضون أيّ عمل إن لم يكن مزراب ذهب. فأمام السلطة والمال تختفي الصراعات الطبقيّة والخلافات الطائفيّة والحساسيّات المذهبيّة، ويصير كلّ الناس متساوين كأسنان المشط، ولا يعود من فضل لعربيّ على أعجميّ إلّا بمقدار رصيده في المصرف، أو لأعجميّ على غربيّ إلّا بمقدار ما يملكه من عقارات وأسهم وشركات. لذلك يثير ضحكي كلام الناس عن الشرف والسمعة والصيت الحسن في حين لا يهجس الجميع إلّا بالراتب وموعد استحقاقه، والصفقة التجاريّة ونسبة الربح منها، واللوتو وكميّة المبالغ المتراكمة، و"معك ليرة بتسوى ليرة". وإلّا فكيف نفهم هذه الهجمة الشرسة للفتيات الشابّات على العمل في البارات والتلفزيونات والمسلسلات وعلى المشاركة في مسابقات الجمال، وكلّ ذلك برضا الوالدين والجدّين وسائر أفراد العائلة؟
لم يعد تكفي عبارة "عالم ماديّ" للدلالة على هذا السعي المحموم والتكالب الشرس لامتلاك كلّ شيء. باتت اللغة عاجزة عن إيجاد وصف لحالة ليس الآباء فيها آباء بل قوّادون، وليست الوالدات فيها أمّهات بل شريكات مضاربات في الربح، والأطفال ليسوا أبرياء حتّى إثبات العكس.
اللعنة ثمّ اللعنة ثمّ اللعنة على هذا العالم القبيح المدوّد، حيث المياه آسنة كرغبات المغتصبين، والأشجار سقيمة كعقول الفنانات الصاعدات، والأزهار مخادعة كقبور حديثي النعمة!


2013

أحلم بوطن هادئ ورجل مجنون 
فأستيقظ لأجد نفسي في وطن مجنون ومع رجل هادئ

2014

 http://mariekossaifi.blogspot.com/2014/08/blog-post.html
      كان ذلك في بداية عهدي بالكتابة في الصحف، وكنت لا أزال أكتب باسم مستعار هو مي م الريحاني، حين طالبت البطريرك المارونيّ، عبر صحيفة "الديار" بأن يُنزل الحرم الكنسيّ بالزعيمين المارونيّين المتقاتلين عهدذاك ميشال عون وسمير جعجع. إذ كنت، ولا أزال، أؤمن بأنّ الكنيسة المارونيّة لم تفعل ما يجب فعله في سبيل بقاء الموارنة في هذا الشرق، وبالتالي بقاء المسيحيّين فيه على اختلاف مذاهبهم وطقوسهم وبلدانهم" (الموارنة مرّوا من هنا - بألم ماري القصيفي - 2008 - دار مختارات).      
        بهذه الكلمات يبدأ ذلك الكتاب الذي جمعت نصوصه من مشاهدات وحوادث جعلتني أرى أنّ الأخطاء التي ترتكب بحقّ أفراد، أنا منهم، ستؤدّي إلى خطيئة مميتة يدفع ثمنها الجميع... هل كنت أتنبّأ؟ قطعًا لا. كنت أرى كما يرى سواي، لكنّي اخترت ألّا أسكت... وحين قرأ المعنيّون الكتاب، جماعة ميشال عون غضبوا لأنّني ساويت جنرالهم بمدّعي "الحكمة"، وجماعة سمير جعجع استشاطوا غيظًا لأنّني وضعت زعيمهم في جملة واحدة مع عدوّه اللدود "المجنون"، وغضب الإكليروس لأنّني لم أر بينهم "المخلّص". وما بين الجنرال والحكيم، اللذين لا ولدَ ذكر لهما، ورجال دين يؤمن كلّ منهم بأنّه المسيح المنتظر، تنتهي سلالة كتبتُ عنها في الكتاب نفسه: "ومن المفارقة الساخرة في قراءة التاريخ أنّ الموارنة كانوا يصعدون سلّم المجد حين كانوا في الأودية، وصاروا الآن ينحدرون إلى درك الانحطاط بعدما رفعوا الصروح على أعلى القمم" (صفحة 8).    
       لا يزال الزعيمان المارونيّان، منذ حرب الإلغاء (1990)، يعملان على إلغائنا، كلّ منهما مرهون لزعيم آخر يجلس خلف الشاشة، ولم يكن ينقصهما إلّا بطريرك ببنطلون جينز وذقن حليقة في زمن العباءات واللحى الطويلة حتّى تكتمل لوحة الانهيار. والنتيجة هجرة جماعيّة لمسيحيّي المشرق، وغيبوبة يُغرق أنفسهم فيها من يعجزون عن الرحيل.     
      هل لا يزال ممكنًا إيجاد زعيم ينقذ هذا المجتمع المسيحيّ المريض، يكون بطلًا وقدّيسًا في الوقت نفسه؟    
    هل زعيم كهذا قادر على إيقاظ المجتمعِ من غيبوبته الفكريّة والروحيّة، السائرِ في نومه نحو هاوية سحيقة؟      
      نحن في حاجة إلى زعيم مسيحيّ، مارونيّ أو كاثوليكيّ أو أرثوذكسيّ أو إنجيليّ، يقول لنا:   
  
أنا زعيمكم لأنّي اخترت أن أموت عنكم لا أن أختبئ في قصري!     
أنا زعيمكم لأنّ بيتي يشبه بيوتكم!    
أنا زعيمكم لكنّي لا أفهم في الاقتصاد وأريد معي عشرين خبيرًا اقتصاديًّا، ولا أفهم في التربية وأريد معي عشرين خبيرًا تربويًّا، لا أفهم في الحرب وأريد معي عشرين خبيرًا عسكريًّا، لا أفهم في الزراعة وأريد معي عشرين خبيرًا زراعيًّا، لا أفهم في الإعلام والإعلان وأريد معي عشرين خبيرًا في التواصل الإعلاميّ ودور الإعلان، لا أفهم في الاستشفاء وأريد حولي عشرين عالمًا وطبيبًا...     
أنا زعيمكم وأريد أن ألتقي بالتلامذة لأسألهم: ماذا يعلّمونكم في المدارس، وبالمعلّمين لأسألهم: هل أنتم أحرار لتعلّموا الحريّة؟    
أنا زعيمكم وأريد أن أجتمع بطلاّب الجامعات لأسألهم: ماذا تريدون منّي أن أفعل لكم كي لا تهاجروا؟    
أنا زعيمكم وأريد أن أتحاور مع أهل القرى والجبال لأعرف ماذا يحتاجون كي يبقوا في قراهم وجبالهم.    
أنا زعيمكم وأريد أن أقول للكهنة والرهبان والراهبات: ما لكم لكم وما ليس لكم لن يكون لكم... فإمّا نحن مجتمع نسكيّ لا نريد شيئًا من متاع الدنيا ومُتعها، أو نحن أبناء هذا العصر ونريد أن نحيا فيه بشروطه ونحارب بسلاحه...    
أنا زعيمكم وأريد أن أسأل الشاب المسيحيّ: أنت مقاوم ولو كنت "فاليه باركنغ"، أنت مقاوم ولو كنت "دليفري مان"، أنت مقاوم ولو كنت حارسًا شخصيًّا في شركة أمن... لكن يمكنك أن تكون بطلًا إن أردت أن تكون أكثر... وسأكون مِثالك...    
أنا زعيمكم وأريد أن أسأل الشابّة المسيحيّة عن قضيّتها ومسؤولياتها وعمّا تعرفه عن تاريخ بلادها وأنهار بلادها وجبال بلادها وسهول بلادها وحدود بلادها، وماذا فعلت لتعطي صورة عن مسيحيّتها في وجع التعصّب والجهل؟    
أنا زعيمكم الذي يعرف متى تبدأ رسالته ومتى تنتهي، الذي لا يريد شيئًا لنفسه ويريد لوطنه كلّ شيء، الذي يعرف أنّ مسيحيّته لا تغرّبه عن المشرق، ولا تغريه بغرب أسير مصالحه، ولا تبعده عن الجغرافيا، ولا تنسيه التاريخ، ولا تلعثم لسانه بلغات لتنسيه لغته...    
أنا زعيمكم الذي لا علاقة تربطه بإسرائيل لأنّه يعرف أنّ إسرائيل تريد قتل المسيحيّة بعدما قتلت المسيح، وتريد محو وطن الرسالة لأنّه عكس صورة العنصريّة المنغلقة فيها، ولا علاقة له بالسعوديّة ومصر وإيران وسوريا وفرنسا وروسيا وأميركا والفاتيكان إلّا بقدر ما تعمل هذه الدول على بقاء مسيحيّي المشرق أسيادًا في أرضهم وبيوتهم، لا أهل ذمّة، ولا تابعين ولا عبيدًا ولا عملاء...    
أنا زعيمكم الذي تتلمذ على فكر الفلاسفة وتخلّق بأخلاق القدّيسين وتشرّب البطولة من أنهار تشقّ الجبال لتنفجر عطاء وخصبًا...    
أنا زعيمكم لأطلب منكم أن تعتصموا في بيوتكم كي يعود الجنود والعسكريّون إلى بيوتهم سالمين من الغدر والخيانة والخطف... وأن تقطعوا الطرقات بأجسادكم لا بالدواليب المشتعلة كي تقطعوا الطريق على الأصوليّة الغبيّة فلا تصل إلى نسائكم وأولادكم...   
وإلّا فلنرحل كلّنا عن هذا البلد. فلنحزم حقائبنا ونمضي لأنّ سوانا يتسلّح بالأحزمة الناسفة، والأفكار الناسفة... 

***     
      هل ثمّة رحم أنجبت رجلًا يقول هذا الكلام، ولا يكون عبد شهواته ولا أسير رغباته ولا رهين ماضيه؟ هل ثمّة أمّ علّمت ولدها كيف يكون شجاعًا وحكيمًا وعاشقًا وشاعرًا؟ هل ثمّة أمل لمسيحيّي المشرق بنجمة جديدة تدلّنا على بيت، فيه رجلٌ يشبه المسيح ونسّاك الصحراء وحبساء صوامع الأودية، وفيه شجاعة أسرى السجون الإسرائيليّة والسوريّة، وفيه ظرف الفنّانين وجنون المحبّين وفرح الأطفال؟ هل نؤمن نحن بأنّ بيننا من لا يشبه هذا الطقم السياسيّ المهترئ كأسنان عجوز في مأوى رخيص؟     

     وإنْ لا... إن ليس أمل بوجود رجل كهذا بيننا، فلنرحل الآن! فليرحل من بقي لأنّ من صادر قرار المسيحيّين ومن يتحدّث باسمهم ومن يدّعي تمثيلهم، أوصل المسيحيّين وسواهم إلى هذا الخواء الروحيّ والفراغ السياسيّ والعهر الاجتماعيّ والغباء التربويّ والجهل الإداريّ... وساهم في ولادة داعش وأخواتها... فلنرحل ولنترك المشرق لمغيبٍ لا أحد يعلم متى يبزع النور من رحمه! 

ليست هناك تعليقات: