من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأربعاء، 10 أغسطس، 2016

من يوميّات الفيسبوك (10 آب 2016)

Winslow Homer 

2010

أنا ابنة الحرب، وصرت أعرف أنّ لها وجوهاً كثيرة وصفات لا تحصى، وأنّها تملك من الأقنعة ما يجعلنا مخدوعين بها، فنعيش معها وفيها ونحن موقنون بأنّنا في سلم أهليّ وبأنّ الدنيا بألف خير. ...ولذلك صرت أعرف أنّ ما نحن فيه، وإن لم يكن فيه قصف وتدمير، هو الحرب في أبشع صورها، لأنّ ما نحن فيه يقصف أعمارنا من الخوف في انتظار الحرب ويدمّر خلايانا العصبيّة حتّى صرنا نقول فلتقع الحرب لعلّنا نرتاح من همّ انتظارها... (من نصّ أطول نشر في صحيفة النهار)

************
2012

قالت المرأة للمرآة:

النهايات! لا بدّ منها كي تكون ثمّة بدايات جديدة. النطفة تنهي رحلتها ليبدأ دور الجنين، والجنين ينتهي ليولد الطفل، والطفل ينتهي ليصير رجلاً، والرجل ينتهي عندما يزرع نطفة جديدة تنتظر موعد نهايتها. ولولا النهايات لما ابتدأ شيء جديد. أمّا قصص الحبّ، وحكايات العائلات، وروابط الدمّ، ومشاعر الصداقة، فكلّها مرصودة للنهايات التي لا بدّ آتية لتذكّر كلّ واحد منّا بأنْ: باطل الأباطيل وكلّ شيء باطل، وكلّ شيء زائل في الشكل الذي نعرفه ليتحوّل ويصير شيئًا جديدًا ينتظر تحوّلاته. أمّا الديمومة فعدوّة الطبيعة: هي الجمود الذي يولّد المستنقعات، والموت الذي لا حياة فيه إلاّ للحشرات والأوبئة والأمراض. فالديمومة إن لم تكن نابعة من غير هذا العالم حيث لا أزمنة ولا أمكنة ليست إلاّ التشبّث بزمان ومكان أقنعنا أنفسنا بأن لا حياة لنا خارجهما. الديمومة عدوّة الحياة المتجدّدة ما لم تكن لوجه الدائم السرمديّ.
يجب أن ينتهي الكاتب من كتابة الرواية مهما كثرت تفاصيلها وإلاّ قتلته شخصيّاتها، ويجب أن يضع الفنّان اللمسات الأخيرة على لوحته أو منحوتته أو معزوفته وإلاّ جنّ وهو يحاول أن يتوقّف عند مرحلة ما ويعجز. الأحلام إن لم تنته صارت كوابيس، والعرس إن لم ينته فلا ليلة حبّ، والمأتم إن لم ينته بالدفن هرب الناس من منظر الجثّة ونتنها، والعمل إن لم ينته فما من يوم سابع نستمتع فيه بما فعلناه. المشاعر نفسها يجب أن تنتهي ولو لم تنته فعلاً. فكلّ ما لا يتحوّل إلى ما هو أكثر جمالاً وحياة وإبداعًا يختنق في شرنقته لأنّه لم يتحوّل فراشة.
كنت دائمًا أكره من الأشكال الهندسيّة الدوائر والمثلّثات ولا أعرف لماذا. كنت أشعر بأنّ الدائرة لا نهاية لها وهذا ليس بالأمر السليم والطبيعيّ، فضّلت دائمًا المربّعات والمستطيلات التي كنت أجدها واضحة محدّدة ومتعادلة في الربط بين زوجين من النقاط. الدائرة تدور حول نقطة واحدة ولا تستطيع التفلّت منها، وفي المثلّث عنصر زائد يعوق الاثنين عن أن يكونا اثنين فقط ويقحم نفسه في ثبات علاقتهما. الدائرة حبل مشنقة والمثلث هرم الموت.
الموت نهاية لا بدّ منها، موت إنسان، نهاية مرحلة، خاتمة عهد، نسيان، تغيّر، تبدّل، تطوّر، كلّها مفردات وتعابير عاجزة عن جعل النهايات مرحلة أساسيّة لا بدّ منها ولكنّنا لا نحتفل بها ولا نعطيها حقّها من الاهتمام ولا ننتظرها. محمود درويش يقول: لا أريد من الحبّ غير البداية. ولكنّ البدايات لا تترك حكايات. وحدها النهايات تفعل. وحين كانت جدّاتنا ينهين الحكايات قائلات: هيدي حكايتي حكيتها وبعبّكن خبّيتها كنّ يعرفن أنّ حكايات جديدة ستبدأ مع هذه الخاتمة، ولو لم تنه الجدّات كلامهنّ لما ابتدأت الأحلام في مداعبة مخيّلاتنا منطلقة من عبّ عواطفهنّ حيث خبّأت الجدّات الحكايات كما كنّ يخبّئن المال والمجوهرات ومفاتيح البيوت.
وأنا تعلّمت باكرًا جدًّا أن أنتظر كلمة النهاية في حكاية كي يبدأ مشواري الخاص مع حكايتي الخاصّة. وانسحب الأمر على علاقات كثيرة نسجها العمر حولي وكانت تتشابه كحكايات الجدّات ووحدها كلمة النهاية هي التي كانت تفتح الباب واسعًا على حكايات لا يعرف بأمرها أحد ولا يحسن فهمها سواي. لذلك كنت أستعجل نهاية العلاقة كما كنت أستعجل الجدّة كي تخبّئ الحكاية في عبّ صدري حيث تنمو في دفء قلبي وتصل أغصانها إلى عقلي المتوثّب الباحث عن سرّ الأشياء وخفايا الأمور.
هل حان وقت كلمة السرّ؟ هل ستقول جدّتي الحياة العجوز: هيدي حكايتي حكيتها وبعبّك خبّيتها لأنصرف بعدها إلى استعادة الكلمات والمشاعر وصوغها في حكاية تنتهي ولا تموت نقيض ما يحدث في الواقع وكما كان يحصل دائمًا؟ أم هي حكاية مختلفة لا تشبه سواها، لأنّها تكتبني بقدر ما أكتبها؟
من الواضح أنّني كبرت على تصديق النهايات السعيدة غير أنّني لسبب لا أعرفه أشعر بسكينة غريبة وعميقة وحقيقيّة كأن لا شيء جديدًا ومفاجئًا في كلّ ما يحصل، أو كأنّني صرت مؤمنة بأن لا شيء ينتهي بل كلّ شيء يتحوّل.
 ***
أمسح الغبار عن رفوف ذاكرتي وأعيد ترتيب الوقت والرجال.
 ***
من بين عشرات العشّاق الذين تقدّموا لخطبة روايتي الجديدة وجدت أخيرًا البطل الذي سأمضي معه سنة من عمري قبل أن أخونه في كتاب جديد!
 ***
مشكلة الحقيقة أنْ لا أحد يريد تصديقها
 ***
بدأت أتعافى منك، فقد مرّت خمس دقائق من دون أن أزور صفحتك
 ***
حكاية الرجل الذي اكتشف أن لا وقت لديه للحبّ (قصّة قصيرة)
لم يقل له أحد أنّ المهمّات التي ألقتها الحياة على عاتقه تتطلّب حضورًا
دائمًا والتزامًا جديًّا وانتباهًا كاملاً، لذلك حين وقع في حبّ امرأة غير زوجته لم ينتبه إلى أنّه سيظلم نفسه قبل أن يظلم أيّ أحد آخر.
هو زوج صالح ملتزم طوال الوقت،
هو والد متفانٍ منتبه طوال الوقت،
هو ابن بارّ محبّ طوال الوقت،
هو شقيق مخلص خدوم طوال الوقت،
هو موظّف نشيط متوفّر طوال الوقت،
هو صديق وفيّ عطوف طوال الوقت،
هو مثقّف متابع شغوف طوال الوقت،
فهل يمكنه فضلاً عن هذه السباعيّة المتكاملة المتطلّبة أن يكون حبيبًا عاشقًا حاضرًا طوال الوقت؟
لم يكن يعلم أنّ الوقت القليل الذي يسرقه بين هذه الشخصيّات السبع تسمح له بممارسة الحبّ (11 دقيقة بحسب باولو كويللو) لا الحبّ، وحين عرف ذلك اكتشف أنّه سيدفع غاليًا ثمن هذه المعرفة، وأنّه من غير الإنسانيّ والعادل أن يطلب الإنسان من نفسه أن يكون رجل الخدمة ليلاً ونهارًا لكلّ من حوله، لأنّه سيفشل في مكان ما بلا أدنى شكّ، هذا إذا كان حظّه جيّدًا وذكاؤه خارقًا ما قد ينقذه من أن يخسر كلّ شيء.

لم يكن الرجل يعلم طبعًا أنّه سـ"يقع" في الحبّ لا بل أنّه سـ"يحلّق" مع الحبّ، لذلك كانت التزاماته الجميلة الأخرى متكاملة متجانسة منظّمة، لكلّ منها موعده وجدوله الزمنيّ، وكانت الحياة مدروسة الخطوات لا مكان خاليًا فيها لأيّة مفاجأة أو خلل، ولكنّ من صفات الحبّ أن يقتحم الأمكنة التي لا تخطر على بال، أن يخربط ما كان منظّمًا، ألاّ يحمل ساعة في يده، ألاّ يحترم مواعيد النوم والعمل والغداء والراحة، أن يكون مشاغبًا مشاكسًا عنيدًا، طفلاً يحتاج إلى عناية واهتمام وانتباه، فهل يستطيع أن يكبر بالقامة والحكمة وسط هذه المهمّات الجديّة الدقيقة أم سيبقى طفلاً عاجزًا عن النمو، يبحث عن مكان للعب بين أقدام الكبار، ثمّ يختبئ خجلاً من قامته القصيرة ويهرب خوفًا ممّن قد يؤذي طراوة عوده؟
هكذا فكّر الرجل وهو يرزح تحت التعب والإرهاق. ترفٌ أن يحبّ وهو مطالَب في كلّ لحظة بعمل ما، بمهمّة ما. سيظلم نفسه ومن يحبّها إن استمرّ في توزيع نفسه ووقته على هذا الشكل ولن يبقى لها، خصوصًا هي، إلاّ فتات يعرف أنّها ستقتات بها وتكتفي لأنّها تحبّه. ولكن إلى متى سيمكنه أن يحتمل صيامها المفروض عليها، واكتفاءها ببقيّة عاطفة ووقت؟
كانت الأفكار تتنازعه وهو يحاول التشبّث بحبّ قد لا يشعر بمثله في آتي أيّامه، وفي الوقت نفسه لا يرضى لنفسه بأن يخلّ بأيّ من التزاماته الأخرى التي تشكّل مشاهد أساسيّة من هذه اللوحة الجداريّة التي اسمها حياته، ولن يقبل طبعًا بالإساءة إلى من لا ذنب لهم في عاطفته الطارئة أكان هؤلاء في بيته أو في عمله.
وكان يعرف في قرارة نفسه أنّه يهرب إلى التزامات جديدة ليهرب من التفكير في حلّ، وأنّه سيتعب من هذه الالتزامات الإضافيّة، وأنّ ما كان يحتمله جسده وهو شابّ لن يرضاه وهو كهل، وأنّه سيقع يومًا تحت وطأة كلّ ذلك. فهل سيجد الجواب عندها؟ هل سيكون لحسه المبرد هو الحلّ مع أنّه يعرف جيدًا أنّ ما يسيل هو دمه وما يخسره هو حلمه بنوع آخر من السعادة؟

 ***
إبدأ بشَعري... 
حرّره ولك الغنائمُ كلّها
**************** 
2014

صلاة يوم الأحد
يا ربّ! أعده سالمًا ولو إلى غير حضني!
 ***
العمر بيخلص والحبّ ما بيخلص
 ***
قميصك الأزرق اشتقلي
أنا بعرف
كلّ زرٌ من زرارو عم يسألك عنّي
والقبّة عم تهمس لرقبتك إنّها مضيّعة شفافي
قميصك الأزرق المجعلك عم يقلّك:
يا أخي خدني لعندها ولو كان بدها تكويني
 ***
أتى الخريف باكرًا هذه السنة! اقتحم الصيفَ بغيمه الثقيل وهوائه الرماديّ، وهمس في أذني: أنتِ لي، ولن تكوني لسواي!
أجلس في حديقةٍ صارت الشمس تغادرها على عجل، وأراقب كيف يقصّر النهار عمرَه طوعًا، كأنّه لا يريد أن يرى أكثر مما رأى... أحزن، فيسقط حزني على ترابٍ وُعِد بربيع الحبّ وصيف العشق، لكنّ الشوك لا يشرب سوى دمع السماء حين يخرمش عينيها...
يذوب ظلّي في الأرض، أنحني لأبحثَ عنه فأصير علامة استفهام ولا جواب لي...
كبرت، كبرت فجأة، وغدرتْ بأحلامي طفولةٌ غادرتني حين اكتشفتُ أنّ مكانًا واحدًا لا يتّسع للحرب والحبّ... أن لا مكان لي ولا زمان ولا رفيق... وأنّني حين أنتفض على حزني ووجعي وعمري فأقصى ما يمكنني فعله هو أن أكتب... وأقسى ما يمكنني مواجهته هو أن أكون قارئتي الوحيدة...
ربع عمر في سرير الوجع، وربع آخر في أتون الحرب، وربِع ثالث في خيبة الحبّ، وربع رابع في هشاشة الشعر... يا الله صار عمري مئة عام وما زلت أبحث عن طفل ألعب معه على الطريق التي لم أَحْبُ عليها يومًا، ولم أركل حجارتها، ولم أركض خلف أترابي فوق تربتها البكر... مئة عام وما زلت صغيرة يفاجئها الخريف كلّ سنة وهو يقول لها: أنتِ لي وحلم الصيف انتهى... 
مضى زمن اللعب، مات ناس كنت أعرفهم، رحل آخرون خلف أحلامهم، وُلد أطفال يحملون سلاحًا، انقصفت بيوت وأعمار... أحاول القفز فوق الركام فلا تساعدني رجلي... أحاول الطيران فوق دخان الحرائق فيذوب جناحي... 
فاجأني العمر... لا الشعر الأبيض دلّني عليه، ولا تجاعيد الوجه أنذرتني بمجيئه، ولا البقع الصغيرة السوداء فوق سطح اليد نبّهتني، ولا انقطاع الدم عن دورته القمريّة حذّرني، ولا موت الجدّين، فقط الخريف، الخريف الذي أتى هذه السنة في غير موعده، هو الذي جمع الخيبات كلّها، والأوجاع كلّها، والدموع كلّها، هو الذي لفّني بوشاحه الرماديّ، وقال لي: أنتِ لي ولن تكوني لسواي...

 ***
كلّ لايكات العالم لا تساوي مرور سبابتي على أحرف قصيدتك لأشعر بنبضها

 **********
2015

مدّ يده وقال: هيّا لنرقص
همستُ متلعثمة: أنا لم أرقص قبل الآن
قال لي غير عابئ باعتذراي: وأنا لا أجيد الرقص
ثمّ تابع: لكنْ لم يسبق أن تألّمنا كما الآن!

ليست هناك تعليقات: