من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 31 أكتوبر، 2011

رَجُل الكرسيّ




خوان ميرو

لا مكان إلّا لشخص واحد خلف طاولة المكتب الأنيقة.
لا مكان إلّا لكرسيّ واحد أعلى وأفخم من الكراسي الأخرى.
الجالس خلف طاولة المكتب اختار أن يبقى وحيدًا.
قلقٌ هو. التساؤل مقيم في خلاياه، ويتنزّه الشكّ متباطئًا على دروب أعصابه.
حذِرٌ هو، تجلس الريبة على الكرسيّ المقابل، وتشبك رِجلاً فوق رجل، وتنفث دخان سيكارتها في وجهه، وتضحك من حيرته، ولا تجيب عن أسئلته، ويقيم الخوف بين لون مكتبه والخشب العازل، بين بياض الورقة والكلمة المغتصبة.
يجلس الجالس خلف طاولة مكتبه، يجيب على الهاتف/الهواتف، يستقبل ويودّع، يضحك ويعبس، يلامس أزرار الأجهزة، يفلفش الأوراق ويقلبها، ثمّ يكتشف فجأة أنّه يستمد قوّته من المكان الذي لا يتّسع إلاّ لكرسيّ واحد، ويحاول أن يتصوّر كيف سيكون الوضع لو اضطرّ إلى الجلوس بلا طاولة تستر عري وجوده وهشاشة مروره.
خوان ميرو

يضحك الناس له، يوافقونه الرأي، يثنون على قدراته ومواهبه ونفاذ بصيرته، يدعونه إلى الغداء والعشاء والسهر، يسرّون له بقدرتهم على القيام بأصعب المهمّات، يعدونه بالإخلاص وينذرون له الطاعة والتجرّد والوفاء، ومع كلّ هديّة يقدّمونها في خجل العاجز عن شراء ما يليق بمقام الكرسيّ، يطلقون وعدًا جديدًا بالبقاء على العهد مهما تكن التضحيات والأثمان.
ينظر الجالس على الكرسيّ خلف الطاولة إلى نفسه وإلى الآخرين، يرى الأكبر منه سنًّا وقد تواضعت خبرته ومعارفه وانحنى رأسه إلى درجة الامّحاء، ويراقب الأقدم منه تجربة وهو يشطب من ذاكرته كلَّ ذاكرته ويفتح صفحة جديدة مستعدّة لاستقبال أيّ أمر وتنفيذ أيّ رغبة، ويرنو إلى الأكثر منه علمًا وهو يقفل باب الحديد على كنوز عرف كيف ومتى يجمعها ولم يعرف كيف يفيد منها أو يتصرّف بها. ينظر الجالس خلف الطاولة ويرى، ويكتشف كيف تتلوّن المفردات غنجًا ودلالاً، وتذوب الكلمات رقّة وعذوبة، وكيف تتحوّل الرجولة أنوثة والأنوثة ميوعة، وكيف يصير هو الأجمل والأهضم والأكرم والأذكى...

وحيد وخائف الجالس خلف طاولة المكتب، حيث لا يتّسع المكان إلّا لوجوده. يخشى أن توصله الثقة إلى شِباك الخيانة، ويقوده الحبّ إلى جحيم الغدر، وترمي به الصداقة في أحضان العداوة، فيحوّل الطاولة حاجزًا يبقي الآخرين في الأماكن التي على قياسهم، والأوراق متراسًا يحميه من النظر إلى عيونهم حيث تختبئ النيّات، والكرسيّ ملجأ يحتمي به من اقتحامهم حصن مركزه، والقلم سلاحًا يشهره في وجوههم حين يخشى أن تخونه القدرة على مواصلة اللعبة، والهاتف نفقًا يهرب عبره بعيدًا عن المواجهة.
قريب وبعيد الجالس خلف الطاولة، يقنعك بأنّك موضع ثقته وبئر أسراره، ثمّ يقوده خوفه من الندم إلى الجهة المقابلة، فتراه بعيدًا ونائيًا، يهرب من عينيك وصوتك، ويقصيك إلى الخطوط الأماميّة من الجبهة لعلّك تلتهي بإثبات شجاعتك أو على الأقلّ بإنقاذ نفسك فتتركه وشأنه.
إنسان وإله الجالس خلف الطاولة، يؤكّد في كلّ مناسبة أنّه من الناس ولهم، وأنّه إنسان مثلهم، يبكي كما يبكون ويجوع كما يجوعون، وينعس كما ينعسون، وعندما تعامله كإنسان مثلك ينتفض ويستعيد ألوهته المعتدى على حرمتها، ويذكّرك، للمرّة الأخيرة، بأنّه يملك الطاولة والكرسيّ، وإيّاك أن تنسى ذلك.
هنري دو تولوز لوتريك (1864- 1901)

المكان خلف الطاولة لا يسمح بالاقتراب من الجالس هناك، ولا يمكن بالتأكيد وضع كرسيّ آخر إلى جانبه. المكان هناك بارد لولا القلق وفارغ إلّا من الفراغ، وكلّ الذين سعوا إليه ظنّوا أنّهم سيملأونه حرارة وغنى، ولكنّهم تخشّبوا هناك وتحوّلوا مومياءات لا تصلح إلاّ دروسًا للتاريخ، ولا تثير غير الفضول العلميّ، ولا تدعو إلاّ إلى التأمّل في مصائر البشر. ففي القلق الذي يلفّ لياليهم كالكفن يختنق الصوت الذي يدعوهم إلى الحياة، وفي التملّق الذي يرافق تفاصيل نهاراتهم تتساوى الأصوات والابتسامات وتتشابه.
*صحيفة النهار - الأربعاء 13 شباط 2002

الأحد، 30 أكتوبر، 2011

رغبات صباحيّة


(Robert Doisneau (1912 - 1994

 في ساعات الصباح الأولى، قبل أن تبدأ حركة الناس والحياة، أشتاق إليك:
في تثاؤب الطرقات، وكسل العصافير، وبرودة النسيم؛
في نعاس الأطفال، وهمس النساء، ووسع الساحات؛
في الوقت الذي يفصل بين أحلام الليل وواقع النهار، كنت أحبّ أن أكون بين ذراعيك!
لماذا كنّا نحبّ أن نلتقي في ساعات الصباح الأولى؟
لماذا كنّا نذهب إلى العشق في وقت يستعدّ الناس فيه للذهاب إلى العمل؟
لماذا كنّا نحبّ الحبّ في الضوء ونتحدّث عنه في الليل؟
(Jacques Louis David (1748- 1828

كانت ملابسي الرياضيّة الخفيفة وسيلتي لكي أقول لك كم أنا مشتاقة ومستعدّة، ولن أدع الملابس الأنيقة تعيق انطلاقي إليك ووصولك إليّ.
كصلاة صباحيّة، أحببت دائمًا أن أبدأ نهاري بك، فأكون مطمئنّة طوال اليوم إلى أنّك معي.
كطعام فطور شهيّ، أحببت دائمًا أن أبدأ نهاري بك، فأكون قادرة على مواجهة الحياة.
حين كنت أخلع ملابسي وأندسّ قربك، كنت أعرف أنّك استعددت لاستقبالي بحمّام صباحيّ، وحلاقة ناعمة وتنظيف أسنان، فتفوح من الفراش رائحة غريبة هي مزيج من دفء الليل مموّه بنكهة الصابون الثمين، فأغرق في العطر الأليف وأكتشف كلّ مرّة خدعة نعاسك ومحاولاتك الدائمة العودة إلى النوم كأنّي أزعجتك بحضوري "المفاجئ".
الليل للثرثرة، للكلام، للأحلام، للمشاريع، لاستكشاف الطرقات والقرى الغارقة في النوم.
والنهار للناس، للعمل، لاتّصالات سريعة، للقاءات عاجلة.
أمّا الصباح فللحبّ.
هكذا كنّا نوزّع أوقات لقاءاتنا، ما كان يثير حيرة أصدقائنا الذين اتهمونا دائمًا بالجنون.

كنّا نمارس الحبّ في هدوء، العينان غارقتان في العينين، ينظر الواحد إلى ما يجري في أماكن أخرى من الجسد من خلال عيني الآخر. لا موسيقى، لا شموع، لا كلام، همسات، فقط مجرّد همسات تحضن تحت شفافيّتها صرخات شبقة تقتحم الآخر.

وكنّا نتناول الفطور، ونستحمّ، ويراقب الواحد منّا الآخر وهو يرتدي ثيابه، ونلعب، ونتراشق بالوسائد، ونغيّر ملاءات السرير، ونكوّم المناشف والشراشف للغسيل، وننطلق إلى عملينا كأنّ شيئًا لم يكن. كأنّنا لم نخرق قوانين الصباح، أو كأنّنا لم نتأخّر عن العمل، أو كأنّنا لم نتصرّف كمراهقين عاجزين عن الإقامة تحت سقف واحد فيلتقيان سرًّا.
وعلى الرغم من كلّ ذلك، كنّا نحبّ أن نغفو منفصلين، في بيتين، في غرفتين، ولكن ليس أبدًا في سرير واحد أو غرفة واحدة. كنّا متفقين على أنّ النوم يغيّر طبيعة الإنسان، لا يعود هو نفسه، يصبح كائنًا آخر، مستسلمًا، غير واع، غير حيّ.
وكنّا نريد الحياة والحركة.
هل كان الواحد منّا يخشى أن يرى الآخر نائمًا فيظنّه ميتًا؟
ولماذا أكتب دائمًا عنّا في صيغة الماضي، ولماذا أستعمل الفعل الماضي الناقص كان؟ هل لأنّ الحبّ مهما اكتمل يبقى ناقصًا؟ هل لأنّني أعرف بأنّ الحكايات الجميلة تبدأ بـ"كان يا ما كان"؟ أو هل لأنّني أعرف بأنّ الآخر سيبقى خارجك مهما توغّل فيك؟


السبت، 29 أكتوبر، 2011

عن رواية أريد رجلًا: براءة السرد في رواية السعوديّة نور عبد المجيد



براءة السرد في رواية السعوديّة نور عبد المجيد

صحيفة الحياة، السبت، 29 أكتوبر 2011

ماري القصيفي
تأتي رواية «أريد رجلاً» (دار الساقي) للكاتبة السعوديّة نور عبد المجيد من عالم قصصيّ رومانطيقيّ يعيد إلى الذاكرة العهد الذهبيّ للسينما المصريّة، حين كانت حكايات الأفلام تدور بين الصعيد والقاهرة والإسكندريّة، والبطلة (فاتن حمامة أو مريم فخر الدين أو شادية) تريد تحقيق وجودها في مجتمع ذكوريّ كثيرِ الرجال ولكن لا رجل يتّخذ مواقف شجاعة. من هنا كان عنوان الرواية الخبيث الذي يوحي مع لوحة الغلاف بصرخة امرأة تريد رجلاً للحبّ، فإذا بالرواية تأخذ القرّاء في رحلة البحث عن رجولة تقاوم الجهل والتقاليد البالية، وتنتصر للعلم والحريّة والمساواة.
وما كانت نور عبد المجيد لترفع الستر عن الخلل في المجتمع «لو أنّ في هذي الجموع رجالا»، في صرخة تذكّر بصرخة ابنة «بزرجمهر»، في قصيدة شاعر القطرين خليل مطران، حين أعدمَ «كسرى» الفارسيّ والدَها الوزير بسبب نصيحة. ولكنّ «أمينة» بطلة هذه الرواية، وعلى الرغم من كلّ الحريّة التي أعطيت لها، لن تستطيع أن تصل إلى مستوى تلك الفتاة، لأنّها حوّلت المطالبة بحقوق المرأة من قضيّة عامّة إلى قضيّة غرام وانتقام، كما كانت الحال مع بدايات الرواية العربيّة وكأنّ الزمن توقّف بالكاتبة عند تلك المرحلة، ولذلك لم تنجح «عصرنة» القصّة (الجينز، المايكروويف، السيّارة، السينما، المرأة الموظّفة في المصرف، أسماء العطور الأجنبيّة...) في إقناعنا بأنّنا أمام رواية من القرن الحادي والعشرين، لا من حيث حرمان المرأة من حقوقها فحسب، بل من حيث المعالجة الروائيّة.
«أمينة»، التي أمضت حياتها متعاطفة مع والدتها المجروحة من خيانة زوجها لها (والد أمينة)، تتعرّض هي الأخرى لخيانة زوجها الذي تزوّج عليها سرًّا وبضغط من والدته لينجب صبيًّا بعدما أنجبت له هي ابنتين. ويكون ردّ فعل «أمينة» الانتقاميّ طلب الطلاق بحجّة أنّ زوجها لا ينجب الذكور، وذلك بالاعتماد على الرأي العلميّ القائل إنّ الرجل وحده يتحمّل مسؤوليّة نوع الجنين، ولأنّها تريد رجلاً في حياتها، طلبت التحرّر من زوجها لتتزوّج آخر ينجب الصبيان. حول هاتين الشخصيّتين المحوّريتين، هناك امرأتان طاغيتا الحضور: والدة «أمينة» المتوفاة ومع ذلك نراها حاضرة بقوّة في حياة ابنتها التي أقامت بعد زواجها في منزل والديها، وبقيت تخاطب أمّها عبر دفتر يوميّاتها، فضلاً عن أنّها ورثت عنها العمل في القطاع المصرفيّ؛ المرأة الثانية هي والدة «سليم» زوج «أمينة» التي فقدت زوجها وهي حامل بابنها، فصبّت كلّ اهتمامها على مستقبل وحيدها وزواجه وإنجابه.
الرجل المغيب
هكذا بدا الرجل/ الوالد في حياة الزوجين «أمينة» و»سليم» مغيّبًا: الأوّل بسبب الخيانة فهمّشته زوجته، والثاني بسبب الموت فخلّدته الزوجة عبر الإبقاء على كلّ ما في البيت كما كان. كأنّ الموت (موت الرجل الحبيب) في نظر المرأة أفضل بما لا يقاس من خيانته لها وغدره بها.
وبسبب ذلك يمكننا قراءة الرواية بعكس ما نفترض أنّ الكاتبة رمت إليه، أي يحقّ لنا أن نرى فيها تصويرًا لطغيان المرأة وتسلّطها لا لضعفها وحرمانها من حقوقها، ولو كان كلا الطغيان والتسلّط ردّي فعل في أكثر الأحيان. فبقدر ما تمثّل «أمينة» المرأة التي ظلمها المجتمع حين نظر إليها على أنّها وسيلة استمرار النسل، نرى في والدتها وحماتها المرأة التي تفرض ما تريد (الأولى على زوجها والثانية على ابنها) وتحصل عليه مهما كان الثمن.
ولهذا انتهت الرواية بأن دفع الجميع أثمانًا باهظة لهذه المواقف المتطرّفة حين طلّق «سليم» زوجتيه بعدما صارت حكايته مادة إعلاميّة دسمة، تاركًا جيلاً جديدًا من الأولاد يتحمّل النتيجة: ابنتيه من «أمينة» والجنين الذكر من زوجته الثانية «لبنى». وقد نجحت الكاتبة في اختيار وظيفة القاضي للزوج الشابّ الذي لم يستطع أن يكون عادلاً في حياته الشخصيّة كما هو في حياته العمليّة، كأنّ «نور عبد المجيد» تريد التنبيه من أنّ ما يسمح به الشرع الإسلاميّ من حيث تعدّد الزوجات ليس سهلاً كما يحاول كثر الإيحاء به. ولعلّها لذلك اختارت مسرح روايتها طبقة اجتماعيّة ميسورة ومتعلّمة، لتقول: إذا كان الأثرياء والمتعلّمون يعجزون عن احترام حقوق المرأة وصون الأسرة فكيف بالمعوزين البسطاء؟
يؤخذ على الرواية، وإن تميّزت بشكل عامّ بسلاسة لغتها وانسيابها، أنّها لم تولِ الناحية الجماليّة الأدبيّة اهتمامًا كافيًا، فلا عبارة تترك أثرًا ولا صياغة تثير الدهشة، كأنّنا أمام قصّة مصوّرة اعتنت صاحبتها بالتقاط أدنى حركة يقوم بها الأبطال، وبمراقبة أدقّ تفصيل في الثياب وأثاث المنزل، علمًا أنّ الرواية العربيّة تخطّت ذلك منذ زمن لا يُسمح بالعودة إليه. حتّى التكرار الذي يمكنه أن يكون أداة تعبيريّة مفيدة وجميلة تحوّل في الرواية إلى مجرّد استعادة لا تشي بحالة نفسيّة ضاغطة بل بدوران النصّ في حلقة مفرغة لم تذهب عميقًا في التحليل النفسيّ العميق أو التصوير الاجتماعيّ الدقيق.
ولم يعد يكفي كي يشعر القارئ بالحالة النفسيّة للشخصيّات أن تتلاحق التساؤلات وتتوالى أساليب الاستفهام والتعجّب وأن تمتلئ الصفحات بالنقاط الثلاث الدالة على عجز الكلمات عن الوصف: «لم تكن هالة طلبة يومًا بهذا الجنون.. لم تكن يومًا بهذا التهوّر..ما الذي حدث؟ ما الذي أصابها في هذا العمر؟ إنّها في الخامسة والخمسين من عمرها...كيف تتصرّف كما كانت تفعل وهي في العشرين؟ صبغت شعرها...لم يعد فيه شعرة بيضاء واحدة... اشترت أثوابًا ملوّنة جديدة وزهورًا بيضاء وضعتها في غرفتها... وها هي تقف لتطهو طعام العشاء الذي دعت إليه عزّت عبد الرحيم... إنّها تقاوم... تقاوم في جنون لكنّ جنونها أكبر من جنون مقاومتها... تقاوم وهي تغتسل... تقاوم وهي تتعطّر... تقاوم وهي ترتدي ثيابها وتخرج إلى لقائه.» (ص242)
أمّا اختيار مصر مسرحًا لأحداث الرواية فيهدف على الأرجح إلى عدم التعرّض للمجتمع السعوديّ الذي تنتمي إليه الكاتبة. وهذا الاختيار من حقّها إن رأينا فيه محاولة لتخليص عملها الروائيّ من سوء فهم يضعه في خانة السيرة كما يحصل عادة مع الروائيّات العربيّات، أو لعدم تحويل العمل من قضيّة تحرير المرأة إلى تهمة التعرّض لمجتمع معيّن.
ولكن من حقّ القارئ أن يتساءل في هذه الحال عن دور الرواية عمومًا، وهذه الرواية خصوصًا، في إحداث تغيير ولو بسيط ما دامت خاضعة لرقيب داخليّ (له شكل رجل) يعطّل الإبداع.

الجمعة، 28 أكتوبر، 2011

يوميّات الأرض والزيتون





المشهد الأوّل

عندما عادت أمّي إلى أرض والديها استعادت لهجتها القرويّة وفرحها الداخليّ وفاضت ذاكرتها بأخبار الطفولة والمراهقة. عادت أمّي لتقطف الزيتون من أرض تركتها حين انتقلت مع أهلها إلى مدينة "عالية"، حيث تزوّجت ومن هناك انتقلت إلى بلدة "بعبدا"، وها هي اليوم تعود، بعدما صارت جدّة عجوزًا، وبعدما دمّرت الحرب بيوت قريتها وهجّرت أهلها وأحرقت أشجارها.
كانت أمّي تحلم دائمًا بامتلاك قطعة أرض في قريتها، ومع الحرب التي طالت ظنّت أنّ هذا الحلم لن يتحقّق، وخشيت أن تموت قبل أن تتاح لها فرصة العودة إلى حيث كانت تعيش جدّتها. وأمّي كانت تحبّ جدّتها، ولا تزال تتكلّم عنها بحنان دافئ يشعرنا بأنّ الزمن لم يمض وبأن تلك المرأة العجوز لم تمت منذ أكثر من أربعين عامًا.
على طرف الحقل صخرة مشرفة على واد مهيب وجميل، كانت أمّي تأتي في مراهقتها وتجلس عليها مع صديقتها. كانت الحكاية تتوقّف دائمًا هنا، لأنّ أمّي لم تكن تخبرنا عن أحاديثها مع صديقتها ولا عن أحلامهما ولا عن قصصهما مع الشبّان، ولم نكن نسأل، لا لأنّنا لم نكن نريد أن نعرف بل لأنّنا نعلم بأنّ أمّي البارعة في سرد الحكايات بأدقّ التفاصيل كانت تنأى عن الخوض في بركان المشاعر والانفعالات ومغامرات المراهقة، ففي حكاياتها الكثيرة، لم تكن أمّي تغادر طفولتها أو تبتعد عن جدّتها.
كيف استعادت أمّي صحّتها ونشاطها مع أولى خطواتها البطيئة في حقل الزيتون، مع أنّها كانت تتوكّأ على عصا غليظة التقطتها ما أن ترجّلت من السيّارة؟ ولماذا بدت مختلفة في تصرّفاتها وكلامها؟ وكيف انتعشت في رأسها أسماء النباتات والأعشاب والحقول في أرض لم يصل إليها المسح الجغرافيّ بعد، ولا يزال الناس فيها يضعون الحدود لأراضيهم وهم يحسبون عدد الجلول أو عدد الشجرات؟
كانت أمّي تحكي ونحن نشاكسها بالتعليق على أخبارها، غير أنّها لم تُستفزّ بل اندفعت في قطف الزيتون وملاحقة الحبّات الناضجة بنشاط لا يتناسب مع سنّها وصحّتها، وهي تستعمل مفردات زراعيّة معبّرة. قالت وهي تنبّه حفيداتها اللواتي تركن بضع حبّات من الزيتون على الأرض: لا أريد أن "أعفّر" وراكم. وهي تقصد أنّها لا تريد منهنّ أن يتركن خلفهنّ حبّات زيتون متروكات على الأرض أو على الأشجار. لاحظوا هذه الكلمة: أعفّر، تستعملها امرأة قرويّة من دون أن تعرف أنّ الفعل يعبّر عن فلاّح كان يعفّر جبهته في التراب بحثًا عن حبّة زيتون هي رزقه وثروته وأمان عائلته وضمان المستقبل. وهكذا تحوّل العمل في الأرض معجمًا كبيرًا من المصطلحات المرتبطة بالتعب والجهد، وأخذت أسماء الحقول تشي بحكايات التاريخ والجغرافيا ومسيرة الفصول وسيَر الناس، فهذا الحقل اسمه "العودة"، وذاك "الخندق"، وآخر " المجنونة"، وغيره " الحفّة"، وسواه "الشوار"...
بقيت اللغة وبقيت المعاجم أمّا الأرض فتتحوّل يومًا بعد يوم منازل مرمّمة ومهجورة وأشجارًا مقطوعة أو محروقة، هذه كانت خاتمة المشهد الأوّل من يوميّات قطاف الزيتون في قرية تستقبلك فيها بعض الأشجار وكثير من المدافن قبل أن تلتقي بالبقيّة الباقية من أهلها.






المشهد الثاني
هل كانت أمّي وهي تقطف حبّات الزيتون تفكّر في أمّها؟ وهل تصالحت معها بعدما عرفت حقيقة مقتل والدها وبعدما مضى الاثنان إلى موتهما تاركَين خلفهما أسئلة لا أجوبة عليها؟ ولماذا نصدّق ما يقوله لنا الغرباء ونخاف أن نثق بمن نعرفه؟
حين أتت جدّتي من الجبل أخبرتنا بما تعرفه عن مقتل جدّي، غير أنّنا لم نصدّق الحكاية التي بدت كأنّها من تأليف روائيّ بارع يحسن تصوير الشخصيّات وربط الحوادث. غير أنّ البدويّ الغريب الذي صودف وجوده في سيّارة الأجرة روى الحكاية نفسها بعد مرور خمسة وعشرين عامًا على الجريمة. وعندها صدّقت أمّي أمّها وبكت.
تحدّث البدويّ قال: سمعنا صوت انفجار ثمّ سمعنا ثلاث طلقات رصاص وصراخ المرأة المسيحيّة التي بقيت مع زوجها في البلدة بعدما هرب الجميع. كان الرجل أمام الكنيسة غارقًا في دمائه، حملناه وأخذناه إلى البيت، وهناك غسلته زوجته بعدما أجبرتنا على تأمين تابوت له. قلنا لها: يا امرأة، الدنيا حرب، والقتلى بالمئات فمن أين نأتي بالتابوت في هذه المجزرة؟ غير أنّ المرأة لم ترضخ لاعتراضنا وقالت: أبو سليم يستحقّ أن يدفن بشكل لائق. جمعنا صناديق الخشب التي كان يجمعها العجوز أمام بيته وقودًا للتدفئة، وصنعنا منها تابوتًا، ووضعنا فيه الرجل العجوز بعدما ألبسته امرأته شرواله الأسود ووضعت معه طربوشه الأحمر، وقالت لنا سنأخذه إلى القرية، وندفنه في مدافن العائلة.
ظننا أنّ المرأة جنّت، فالمسلّحون منتشرون على الطرقات، والقرى خالية إلاّ من الراغبين في مزيد من الدم، غير أنّ أمّ سليم أجبرتنا على تأمين سيّارة ربطنا التابوت على سطحها وأخذناها إلى قريتها. قبل أن نصل بقليل، اعترضنا حاجز مسلّحين منعونا وأمرونا بالعودة من حيث أتينا، فالقرية التي نقصدها مهدّمة والنار تتصاعد من بقايا منازلها وحدودها مزروعة بالألغام. بدا على المرأة أنّها لم تسمع كلمة ممّا قيل أو كأنّها لم تفهم أو كأنّها لم تكن تريد أن تفهم، فترجّلت من السيّارة وقالت لنا: انتظروني! ثمّ عادت بعد قليل لتأمرنا بمتابعة الطريق إلى أوّل مدفن في القرية. وهناك، وفي عتمة الغروب والحرب والقبر وضعنا الصندوق الخشبيّ على مدخل المدفن المخلوع الباب، وعدنا مسرعين إلى السيّارة وأصداء الانفجارات تتردّد في ذلك الوادي المخيف المحاط بالتلال الواجمة. التفتنا إلى الخلف فرأينا المرأة راكعة تصلّي ثمّ تمدّ يدها إلى صدرها وتتناول مسبحة من تلك التي يحملها المسيحيّون للصلاة ثم تفتح الصندوق وتضع المسبحة فيه وتلحق بنا.
تابع البدويّ حكايته الغريبة أمام رفاق الطريق الغرباء وقال: لم ترض المرأة بأن نعيدها إلى بيتها لأنّها لم تعد تريد شيئًا من هناك بل أمرتنا بأن نوصلها إلى أقرب مكان محايد تستطيع منه الاتّصال بأقربائها وأولادها.
عندما وصلت جدّتي إلينا حكت الحكاية نفسها، غير أنّ نظرات الشكّ في عيوننا أجبرتها على الصمت بعد ذلك أو على اختصار الحكاية إلى مجموعة من الكلمات غير المترابطة وغير المنطقيّة. وحين ماتت بعد سنوات أيقنت أمّي بأنّها لن تعرف أبدًا المكان الذي دفن فيه والدها لتضع شمعة وزهرة على قبره. لكنّها وهي تقطف حبّات الزيتون بعد خمسة وعشرين عامًا على الحادثة، ومن الحقل الذي تحرس حدوده الجنوبيّة مقبرة والدها، بدت ساكنة هادئة كأنّها عرفت الأجوبة على أسئلتها وليست مضطرة إلى مشاركتنا بها.




المشهد الثالث
الكنيسة التي قتل قربها جدّي لا تزال ركامًا. بناها باني الاستقلال الرئيس بشارة الخوري على اسمه وفي الشارع الذي يحمل اسمه وبالقرب من القصر الذي كان يحمل اسمه. هل هي دلالات الأزمنة وإشارات المصير، تريد أن تقول لنا إنّ الاستقلال لم ينهض بعد من تحت ركام الحرب؟ كنيسة سيّدة البشارة لا تزال على الرغم من السلام الهشّ في بلادنا عاجزة عن تبشيرنا بخلاص قريب، كأنّ زمن الأخبار السارّة لم يحن وقته بعد.
أمّا البيت الذي أمضيت فيه طفولتي ومراهقتي فتقيم فيه عائلة لا ترتبط بماضي البلدة الذي أحفظه غيبًا. لا أثر لأحواض الأزهار الموجودة في ذاكرتنا والصور، ولا للمقاعد العتيقة ولا للعريشة وشجرة التين وقنّ الدجاج. رائحة المكان محايدة لا نكهة لها، جعلتني أبحث بكلّ حواسّي عن عطر الستّ نبيلة، سيّدة المكان التي كنت ألاحق تحرّكاتها الأنيقة وأنا أشعر بـأننّي على مقربة من نجمة سينمائيّة من طراز فاتن حمامة. لم يكن عطر السيّدة يعود إلى ذاكرتي إلاّ برفقة رائحة الخبز الطازج الذي ترفعه جدّتي عن الصاج وتوزّعه على الستّ وعائلتها وحاشيتها وضيوفها. كان ذلك في موسم العزّ، ولم يكن أحد يعرف، حتّى الستّ نفسها، أنّ الخبز والملح لن يقدرا على مقاومة نداء الدم.
في داخل المنزل قطعة أثاث واحدة تعود إلى ذلك الزمان السعيد. اكتشفها أخي وهو يبحث عن شيء ما يؤكّد أنّ حياتنا مرّت فعلاً من هنا، وأنّ الأمر لم يكن مجرّد حلم ليلة صيف في مخدع عروس المصايف التي ترمّلت باكرًا. لماذا لم يأخذ كلّ الذين مرّوا على هذا المنزل منذ خمسة وعشرين عامًا البرّاد العتيق القابع في مكانه المعتاد؟ لماذا لم يرمه أحد؟ وكيف استطاع الاستمرار في عمله بعد كلّ هذا الوقت؟ البرّاد الذي كان عتيقًا حين كنّا صغارًا، وبقي عتيقًا حين عدنا، هل صار المشرحة الباردة التي تحفظ جثث الذين رحلوا؟ حين غادرنا المكان، كنّا نبكي ونضحك. حاولنا أن نمحو بكاء القهر بضحكات بلهاء ونحن ندّعي أنّنا نتذكّر برّاد الجمعيّة الذي غنّى له الأخوان رحباني وكتبوا على شرفه أحد أعمالهم الموسيقيّة الأولى.
أمّي التي تركناها تنتظر الزيت من المعصرة كانت في هذا الوقت تشهد أوّل قطرات من العصير الطازج وهي تنساب برقّة من زيتونات قطفتها من قرب مدفن والدها، ولم تعلم بأمر مرورنا على بيت والديها. لم نخبرها بأنّنا، بعدما عرفنا أين دفن جدّي وكيف قتل، أردنا أن نختم الحكاية على خشبة المسرح نفسه الذي شهد البداية. كان علينا أن ننظر إلى البيت الذي حمّلناه المسؤوليّة عن موت جدّي الذي لم يرغب في تركه، كأنّ بقاءه في البيت، قرب الكنيسة، سيمنع الحرب عن المرور من هنا. مشينا من الكنيسة إلى البيت، كأنّنا نعيد تمثيل مشهد عودته إلى حيث غسلته جدّتي وألبسته ملابسه القرويّة التقليديّة ووضعته في صندوق جمع على عجل.
لا أعرف إن كان أحد منّا سيعود إلى هذا المكان بعد الآن. ولا أعرف إن كان موسم الزيتون الأوّل لنا في قرية أمّي هو المشهد الأوّل من حكاية العودة إلى الجبل. ولا أعرف كذلك إن كان تزامنُ ذلك مع اكتشافنا حكاية البدويّ المتطابقة مع حكاية جدّتي، وفي الشهر الذي قتل فيه جدّي، هو المشهد الأخير من حكايتنا مع ذلك الماضي. غير أنّ ما أعرفه هو أنّني أتمنّى لو كنت أستطيع أن أنسى.

الخميس، 27 أكتوبر، 2011

عم بطرش يا بطرس


Sabrina Biancuzzi

من كتابي : الموارنة مرّوا من هنا (دار مختارات)
1- عاد بطرس تعبًا من جولاته المكوكيّة الأسبوعيّة على بيوت نوّاب المنطقة، وجلس في فيء العريشة ومدّ رجليه على حافّة من الباطون تسند حوض الزهور الممتلئ بشتلات الحبق والمردكوش، ثمّ نادى بأعلى صوته: بو جبرايل، تعا ت نشرب فنجان قهوة وخبّرك أيش صار معي اليوم. فردّ بو جبرايل وهو يقف على أعلى "السيبة" الرباعيّة القوائم: متل منّك شايف، عم بطرُش يا بطرس. بعدان، بعدان. فما كان من بطرس إلاّ أن أنزل رجليه اللتين تؤلمانه من كثرة الوقوف والمشي وشدّ ظهره المتشنّج من كثرة الانحناء، وعبر الدرب الترابيّة وتوجّه نحو بيت بو جبرايل العتيق والمواجه لبيته ووقف عند أسفل السلّم وقال للرجل الذي علم بأنّ ثمّة ما يجب أن يقال "الآن الآن وليس غدًا"، ثمّ نطق بالكلام الجوهريّ: يا بو جبرايل، بسلامة فهمك، فرشاية وحدة بالمكان المناسب تغنيك عن كلّ هالطرش. وفهمك كفاية. إسمع منّي ولو لمرّة واحدة بتعيش مرتاح كلّ عمرك. فردّ بو جبرايل في حكمة: هالطرش يا بطرس أنظف من هيداك الطرش، وفهمك كفاية.
*****

2- بعدما ضاقت بها سبل الحياة والعمل وباعت كلّ ثمين تملكه (ما عدا الكتب التي لم يشترها أحد)، قرّرت مريم بنت بو عزيز أن تجد الطرق اللائقة لتأمين آخرة صالحة، وبدأت تبحث عن فكرة ذكيّة تلائم السوق وتعوّض عليها خسارة العمر في وظائف لم تضمن المستقبل وقرّرت أن تقبر الفقر قبل أن يقبرها. فكّرت في أن تتاجر بالأدوية التي كانت تستعملها جدّتها (نعنع لوجع البطن، بقدونس لتسهيل البول، زهر أكي دنيا للسعال، حشيشة الزلال، إكليل الجبل للسكّري...) ثمّ اكتشفت أنّ أطباء الطبّ البديل لم يتركوا شيئًا أخضر إلاّ وأخذوه، ثمّ إنّ الدولة بدأت مؤخّرًا في تشديد الرقابة على موجة جزّ الأخضر واليابس، ومريم لا تملك شهادة في الطبّ تسمح لها بالوقوف ضدّ الدولة ولا تعرف أحدًا في وسائل الإعلام ليساعدها على تسويق أدويتها، فصرفت النظر عن الفكرة ووضعت على النار إبريق اليانسون لعلّه يعينها على مزيد من الهدوء والتفكير. ثمّ خطر على بالها أن تنظم كلمات للأغاني. فالأمر بالنسبة إليها أسهل من شرب المياه، فجدّها ووالدها كانا شاعري زجل معروفين، وأمّها كانت تغنّي لها كي تنام، وهي تحبّ الكتابة وتستطيع أن تؤلّف كلمات جميلة نابعة من القلب، ولكنّ ذلك أيضًا يتطلّب علاقات عامّة وخاصّة لا تعرف مريم عنها شيئًا. ثمّ أنّها عندما أخذت الورقة والقلم وبدأت في كتابة أولى أغنياتها، ارتفع صوت أولاد الجيران وهم يرافقون بأصواتهم كلمات أغنية تصدح من التلفزيون: بحبّك يا حمار. فدمعت عينا مريم من سخرية الموقف وقالت لنفسها: لقد أحببت الكثيرين ولم أكتب لهم أغنية، وها قد أتى من سبقني وسرق الكلمات من فمي. من يريد شعرًا في زمن الشعير؟ وعادت الحيرة من جديد: ماذا ستعمل مريم لتحصل على المال وهي متقدّمة في العمر ومرهقة وتحتاج إلى من يهتمّ بها ويساعدها. وفجأة، وكما يحصل في المسلسلات التي لا يصدّق أحداثها أحد، قرّرت مريم بنت بو عزيز من بلدة "ريحانة بيت العابد" أن تبيع كليتها. صحيح أنّ الأمر غير قانونيّ بحسب معلوماتها البسيطة، ولكنها لن تعرض "بضاعتها" للبيع، بل ستعطيها مقابل حاجتها من الطعام وما تفرضه العمليّة من أدوية، والأغنياء يستطيعون ذلك في سهولة. وهكذا ستعامل مريم أحسن معاملة على اعتبار أنّها تقدّم جزءًا منها في سبيل عمل إنسانيّ. أليس هذا أكثر احترامًا لنفسها من الخدمات التي يقدّمها الأصدقاء ليريحوا ضمائرهم ويربحوا مقعدًا في جنّة "بلا ناس ما بتنداس".
بعدما قدّمت مريم كليتها في مقابل كميّات هائلة من المعلّبات وأكياس الحبوب والأدوية، انهالت عليها الطلبات: ذاك يريد عينًا فقبلت لعلّها ترى أقلّ قدر من بشاعة هذا العالم، وتلك تريد رئة فقبلت لعلّها تتنشّق كميّة أقلّ من الهواء الملوّث. الطحال؟ لم لا؟ تأجير الرحم؟ لم لا؟ الجِلد للمحروقين؟ الشَعر للحلاّقين؟ الدم؟ ألا تريدون رِجلاً؟ يدًا؟ قلبًا؟ عقلاً؟...خدّروني ودعوني أنام وخذوا ما تريدون.
بعد ذلك عاشت مريم خفيفة كورقة شجرة وحرّة كقدّيسة.


*****
3- أيّها المسيح! احمل صليبك واتبعني إلى أقرب "منشرة" لنجعل خشبه عِصيًّا تصلح للضرب.

الأربعاء، 26 أكتوبر، 2011

القذّافي وجعيتا والجامعة اللبنانيّة


طلّاب الجامعة اللبنانيّة: مطلبهم واحد


مغارة جعيتا: موضوع خلافيّ آخر


القذّافي مع طوني بلير


القذّافي مع نيكولا ساركوزي


القذّافي مع برلسكوني

هذه العناوين الثلاثة كانت الأكثر إثارة للنقاش والتعليق خلال الأيّام القليلة المنصرمة، إن عبر وسائل الإعلام التقليديّة: المقروءة والمرئيّة والمسموعة أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعيّ. وكما هي الحال دائمًا عجز اللبنانيّون عن ترتيب أوليّات اهتمامهم أو الاتّفاق على نظرة منطقيّة واحدة تجاه كلّ عنوان من هذه العناوين "الخلافيّة" الجديدة. ويكفي أن يكون الإضراب المفتوح الذي أعلنه أساتذة الجامعة اللبنانيّة في آخر اهتمامات الناس كي يتبيّن لنا الدرك الذي وصلت إليه الأمور في البلد.
القذّافي:
كيف يمكن لشعوب تفتخر بأنّ أرضها مهد الديانات التوحيديّة أن تتناقل مشاهد تعذيب معمّر القذّافي وإهانته وقتله؟ صحيح أنّ نهاية القذّافي كانت مطلوبة ومنتظرة ومتوقّعة ولكن ألا يجب محاكمة الشعب الذي انتظر أربعين عامًا كي يثور؟ هل نسينا أنّ الصحافة العربيّة لم تستمرّ وتصمد لولا أموال صدّام حسين ومعمّر القذافيّ التي منعت عن صحافيّين وشعراء وروائيّين العوز والفقر؟ وهل نسينا أنّ الصحف التي تدبّج مقالات أحتفاليّة عن نهاية الديكتاتوريّات تعتاش من أنظمة لها مساوئها وعيوبها، ومن نفط خليجيّ عربيّ وفارسيّ لا يتردّد أصحابه في إشعال المنطقة للحفاظ على سلطتهم؟
الإعلام العربيّ لم يصنع ثورة لأنّه لم يملك يومًا حريّة الرأي بمعزل عن مموّليه، غير أنّه بارع في نقل مشاهد الثورة وأخبارها متى وقعت وفي التعليق على نتائجها ودراسة رموزها والتحزّر في شأن مستقبلها. والمثقّفون لم يصنعوا ثورة لأنّ الأنظمة كانت تؤرجحهم بين الترغيب والترهيب. لذلك يبدو معيبًا النقاش الدائر اليوم حول نهاية القذافي وإن كان الأفضل أن يُحاكم. فنحن في أسفل سلّم الانحطاط الحضاريّ لأنّ الثقافة وصلت إلى درجة طرح هذه المسألة كأنّ ثمّة احتمالاً بأنّ الثأر مسموح، وبأنّ قانون الغرب الأميركيّ مقبول، وبأنّ للشعوب عذرها في الانتقام.
إنّنا في عصر تسويق صورة الموت: الديكتاتور يقتل والثائر يقتل، والإعلام ينقل صور الجثث، والأطفال يشاهدون ويتعلّمون تقنيات جديدة لمواسم موت جديدة. لقد قيل الكثير عن نظريّة المؤامرة التي جعلت الإعلام الأميركيّ يمنع بثّ صور ضحايا 11 أيلول، على اعتبار أنّ أميركا تخفي "شيئًا ما". لست من السذاجة بحيث أتناسى أنّ أميركا ودولاً أجنبيّة كثيرة تدّعي الحضارة والتمدّن عاثت فسادًا في الأرض وفي عقول الناس. ولكن لا يمكن تجاهل محاولات جديّة في هذه الدول نفسها لمنع العنف، وإلّا لما قصدها أبناؤنا وبناتنا سعيًا وراء العلم والحريّة وحفظ الكرامة.
حسنًا فعلت الشعوب العربيّة أنّها تحرّرت، المهمّ ألّا تكون حريّة التعذيب والقتل في الشوارع هي أقصى ما يمكن أن تطمح إليه، ولو على حساب الحقيقة والعدالة. وسنرى في الغد القريب كيف سيستقبل الليبيّون مثلًا زعماء العالم الذين كانوا أصدقاء القذّافي: برلسكوني وبلير وساركوزي وسواهم...
***
جعيتا:
لم تستطع مغارة جعيتا أن تجمع اللبنانيّين الموزّعين على كهوف طائفيّة لا يزالون نائمين فيها نومة أهل الكهف. فثمّة فئة ترفض التصويت للمغارة لاعتبارات مناطقيّة فئويّة ويريدون التصويت لقلعة بعلبك، وينسى هؤلاء أنّ بعلبك من إنتاج الاحتلال الرومانيّ، فضلاً عن أنّها ليست معلمًا طبيعيًّا. وهناك فئة تعارض الأمر كلّه على اعتبار أنّ جعيتا للأغنياء لا للفقراء من أمثالهم، وأفراد هذه الفئة لن يصوّتوا لأمر لا يعرفونه ولم يروه، علمًا أنّهم هم بالذات يصوّتون لمجلس نيابيّ لا يعرفون أحدًا من أعضائه ولم يروا أحدًا منهم في حياتهم. وهناك طبعًا المعارضون لمجرّد المعارضة، والمتفلسفون المتحذلقون، والمطالبون باسترداد المغارة من الشركة الخاصّة التي تشرف عليها وتستفيد منها، ويتناسى هؤلاء الأخيرون أنّ الهاتف الخلويّ الذي منه يهتفون إلى الإذاعات "الخاصّة" ليعترضوا ملك لشركة "خاصّة" تستفيد بفضل هؤلاء المعترضين وأمثالهم أكثر بكثير ممّا يمكن لجعيتا أن تدرّه على القيّمين عليها. ومن أكثر الأمور غرابة في هذا المجال أن يتّصل لبنانيّ غيور بإحدى الإذاعات ليتكلّم دقائق كثيرة عن رفضه التصويت للمغارة لأنّه لا يملك كلفة الرسالة الخلويّة...أليست هذه أعجوبة من أعاجيب الدنيا؟
الجامعة اللبنانيّة:
كم أرغب في أن أعرف أين يدرس أولاد الأساتذة الذين يعلّمون في الجامعة اللبنانيّة! فهل هم في جامعات خاصّة يتابعون دروسهم كالمعتاد، أم هم "مضربون" مع آبائهم وأمّهاتهم؟ وأولاد النوّاب والوزراء، هل يعرف أحدكم مَن منهم في الجامعة اللبنانيّة؟ وأولاد رجال الدين وأولاد أخوتهم وأخواتهم هل يدرس أحد منهم في الجامعة اللبنانيّة؟ وأولاد الضبّاط في الجيش وقوى الأمن هل يتابعون علومهم في الجامعة اللبنانيّة؟ والفنّانون الثوريّون الذين يغنّون للشعب المسكين إلى أيّة جامعة يرسلون أولادهم؟ وكبار الإعلاميّين الذين قبروا الفقر من الحديث عن الفقراء في أيّة جامعة خاصّة سجّلوا أولادهم؟ وأولاد تجّار المخدّرات ومبيّضي الأموال وتجّار الرقيق أين يدرسون؟
لعلّ طلّاب الجامعة اللبنانيّة مدعوون الآن لملء الفراغ في وقتهم بجمع المعلومات للإجابة على هذه الأسئلة.

الثلاثاء، 25 أكتوبر، 2011

تليق بك الحياة يا صديقي


تليق بك الحياة فلماذا تستعجل العبور يا صديقي العجوز؟
يليق بك الشِعر والجمال والشَعر الأبيض والتجاعيد المزروعة وردًا وشوكًا، يليق بك أن تضحك وتبكي وتغامر وتعشق، فلماذا تهتف بالغياب أنِ اقبلْ.
في جبالنا المهدّدة بالحرائق والأبنية العشوائيّة القبيحة والفيلاّت المنغلقة على من فيها، كان الناس يتمنّون لأحدهم: "تعيش ع قدّ ما الحياة بتلبقلك"، وكأنّهم يقصدون بذلك أنّ الإنسان لا نفع له إن لم يعد يليق بالحياة أو إن كانت الحياة لا تليق به. ويذهب الذهن عادة عند سماع هذا الدعاء إلى الصحّة الجسديّة والاتزّان العقليّ، ولكن لا شكّ في أنّ أمورًا كثيرة أخرى، تكميليّة ربّما لبعض الناس، تعطي الحياة مذاقًا خاصًا ونكهة مميّزة ولونًا يدعو إلى الفرح. الحبّ والرقص والغيوم والشِعر والأشجار والعواصف والبحر والتراب وسوى ذلك من مشاهد الوجود، تدعونا كلّها، إن غرقنا فيها، إلى التمتّع بالحياة، لكي نليق بها وتليق بنا.
وأنت يا صديقي العجوز تحسن كلّ ذلك، فلماذا تريد أن تغادر الحياة، والحياة وجدت لأمثالك من العاشقين الدائمين؟
الحزن نفسه يا صديقي العجوز يليق بك وكأنّه وجد من أجلك، لا لأنّك تستحقّ الحزن، بل لأنّك تعطي الحزن معاني ليست منه أو له، ولأنّك تسمو بالحزن ويسمو الحزن بك، ولأنّنا ننتظر حزنك لنرى أيّ شيء سيكون بعده ودائمًا يكون ما بعده جميلاً ورقيقًا ودافئًا وحنونًا حتّى أنّنا نحن المحيطين بك نخشى أن نتكلّم فنجرح صمته، أو نبكي فنهين بهاءه، أو نتحرّك فنعكّر هدوءه.
لا تنادي موتك يا صديقي العجوز، ولا تدر ظهرك للحياة، ليس الآن على الأقلّ، فأمامنا مشاوير تنتظر خطواتنا، وقبلات تنتظر شفاهنا، ومقاهي تنتظر رماد سجائرنا، وكتب تنتظر أن نتبادلها.
لا تسرع الخطى يا صديقي المرهق من الحياة نحو راحة لم يحن وقتها بعد، ولا تخضع لتعب أصفر لا يلائم لون عينيك، أو لملل رماديّ لا يناسب اخضرار الآمال المعقودة عليك. دع أناملي تتسلل إلى خصلات شعرك لعلّك تنعس كالأطفال وتغفو، دع دفء يدي يتمدّد في شرايينك لعلّك تنتصر على البرودة التي تحاول اقتحام قلبك. واستيقظ، استيقظ نشيطًا، وشابًا، لا يشبع من الحياة ولا يترك للحياة الفرصة كي تشبع منه.
فللأغبياء أن يصمتوا، وللجبناء أن ينهزموا، وللتعساء أن ينطفئوا، وللحاقدين أن يغرقوا في مستنقعات نتنهم، أمّا أنت فلك كلّ الكلمات، وكل الانتصارات، وكلّ التوهّج، وكلّ الأنهار المتدفّقة المتجدّدة.

الأحد، 23 أكتوبر، 2011

فصل من روايتي "كلّ الحقّ ع فرنسا" (دار سائر المشرق- 2011)



(أنطوان)
"أين كانت "جولييت" حين كنت أعمل في التمريض؟ لم تكن ولدت حين بدأت العمل في (العصفوريّة) في الحازميّة حارسًا على المجانين، وبعدما انتهى بناء (الطبيّة) على طريق الشام انتقلت إليها وصرت صديقًا لكلّ الأطبّاء فيها من فرنسيّين ولبنانيّين. "أوجيني" صارت معجوقة بصديقتها الممرّضة وصارت تستشيرها في أنواع الأمراض وأصناف الأدوية. ولم يعد لي كلمة في بيتي. أفهم في أمراض العقل والجسد ومع ذلك يسخر منّي أولادي حين أقول رأيي ويسألونني عن شهادة الطبّ التي أحملها. أربع سنوات مع المجانين وعشر سنوات على بوّابة الطبيّة الواسعة، أسأل الأطبّاء الداخلين عن أحوالهم وأستجوب الأطبّاء الخارجين. الذين يعلّمون أسألهم ماذا علّموا اليوم، والذين يتعلّمون أسألهم ماذا تعلّموا اليوم. وكنت في طريق العودة إلى البيت مشيًّا لأكثر من نصف الطريق أستعيد ما سمعته لأسلّي نفسي، وحين ألتقي أصدقائي عند العصر لنلعب "دقّ طاولة" كنت أنصحهم بأكل هذا النوع من الطعام والامتناع عن هذا الصنف. وكثيرًا ما حملت إليهم أدوية جرى تركيبها أمامي حين كان أحد الأطبّاء الصيادلة يدعوني إلى المشاهدة عندما أجد من يقف مكاني على البوّابة الكبيرة.
"جولييت" لم تصدّقني حين وصفت لها حالة زوجها من دون أن أراه أو أعرفه أو أسمعه. أخبرتها عن حالات مشابهة كنت أراقبها في (العصفوريّة)، صحيح أنّني كنت حارسًا لا ممرّضًا ولكن في تلك الأيّام كان تمريض المجانين مجرّد حراسة تتطلّب ساعدين قويّين وقلبًا شجاعًا، بل تتطلّب أن تكون فقيرًا وتحتاج إلى عمل، وبعد ذلك يمرّن الواحد منّا قلبه وساعديه، خصوصًا متى كان عمله في الليل. ولكن ذلك لا يعني أنّنا لم نتعلّم حقن المرضى بالأدوية المهدّئة حين تنتابهم الحالات العصبيّة القويّة. كان يكفي أن يمسك بالمريض اثنان من الحرّاس ليضرب الثالث الحقنة في أيّ مكان يمكن الوصول إليه من الجسم الهائج، أو يتعاون الجميع لإدخال المريض الثائر في القميص ذي الأحزمة. المرّات الأولى تكون صعبة، بعد ذلك، تعتاد يدنا استعمال الحقنة كما تعتاد آذاننا سماع كلماتهم طوال الليل.
الليل عالم آخر في مستشفى المجانين.
حين باشروا بناء العصفوريّة أسرعنا كلّنا من المنطقة والجوار للعمل فيها، أوّلاً في حفر الأساسات وحمل الأتربة على الحمير والبغال، وبعد ذلك في البناء، حمّالين ومعلّمي باطون ونجارة وتبليط. لم نكن معلّمين، تعلّمنا هناك. بعدما انتهت هذه المرحلة ودشّنوا المبنى الأوّل صرنا ممرّضين وحرّاسًا وطبّاخين. النساء انضممن إلينا للخدمة في الأبنية الثلاثة المخصّصة للنساء أو لغسل ثياب المرضى وأغطية الأسرّة وملابس الممرّضين والممرّضات في المبنى الذي صار اسمه بيت الغسيل. عشرات الأوعية المصفوفة إلى جانب بعضها وعشرات النساء يدعكن الثياب القذرة وينقلنها من طشت إلى طشت، ومن يد امرأة إلى يد امرأة كي تصل نظيفة مغسولة بالمياه الساخنة والصابون البلديّ. عشرات النساء للغسيل وعشرات النساء لتفويح الغسيل ونشره. وعند الغروب، كانت الطريق الخارجة من (العصفوريّة) والتي تصبّ في الشوارع المجاورة تزدحم بالرجال والنساء وهم يحملون أكياسًا من الورق الأسمر، خالية من الفتات، ترجع معهم إلى البيوت ليحملوا فيها عند الفجر زوّادة يومهم من البطاطا المسلوقة والبندورة والزيتون وعرائس التين المطبوخ. لولا الفقراء لما وجد المجانين من يخدمهم.
بعد نقطة الدرك، ندخل إلى منطقة العصفوريّة من بوابّة كبيرة يقيم إلى جانبها الحارس في غرفة سمّيناها غرفة الموتى. إذ كانت جثث الموتى من المجانين توضع فيها في انتظار أن يأتي أهلهم. وما بين موت أحدهم ووصول أهله كان الحارس يسرق أسنان الذهب وأطقم الأسنان الاصطناعيّة من أفواه المجانين. ومن الأموال التي جمعها الحرّاس الذين تناوبوا على المركز وتوارثوا أسرار المهنة ارتفعت بيوت كبيرة في المنطقة، بيوت كبيرة وجميلة يتباهى بها اليوم ساكنوها. بعد البحث ليس كلّ ما يخرج من أفواه المجانين لا قيمة له في سوق العقلاء. وحين يأتي الأهل ليتسلّموا الجثّة، إن أتوا شخصيًّا، لن يسألوا عمّا كان في فمها واختفى. فالمجنون هو من كسر أسنانه في نوبة غضب، والمجنون هو من رمى طقم أسنانه حين لم يعجبه الطعام.
كلّ الأخبار تصحّ على هؤلاء الناس.
العصفوريّة مدينة ساهم في تأسيسها أكثر من دولة، سبعة أبنية لسبع دول. أنا كنت في المبنى البريطاني الذي كناّ نسمّيه روبرت هاوس، أخي كان في مبنى أميركا، والأبنية الموزّعة حول الباحة التي تتوسّط المكان الشاسع كلّها من الحجر المصقول وسقوفها من القرميد الأحمر، ثلاثة منها للنساء. في وسط الباحة بناء مدوّر للحرّاس له باب وسبع نوافذ عليها مشبكّات من الحديد المشغول كأنّ الحرّاس يحتمون خلفها من نوبات جنون جماعيّة قد تصيب مئات من سكّان العصفوريّة دفعة واحدة.
في طريق عودتنا إلى منازلنا، كنّا نمّر أمام غرفة الموتى ثمّ نخرج إلى الطريق العامّ حيث دكّان "يعقوب" الذي كانت تتوقّف عنده قوافل النازلين من الجبل إلى بيروت والصاعدين من بيروت إلى الجبل. وأمام الدكّان نفسه صرخ ابن يعقوب مناديًا والده:
(يا أبي، هناك خوري درزي نازل ع بيروت مع قطيع غنم طويل عريض).
ومن أمام العصفوريّة طارت إلى القرى المجاورة حكاية الشيخ الدرزي بعباءته ولحيته وقطيعه بعدما رسمه ابن "يعقوب" كاهنًا.
لا تنتهي حكايات العصفوريّة. في كلّ يوم حكايات يختلط فيها الحزن بالضحك: حكاية الدركي الذي ترك زميله وحده على المدخل وذهب ليشتري ما يأكله من دكّان يعقوب. في غيابه هرّب الدركي الآخر مريضًا. كان سجينًا من المدمنين على المخدّرات. المجنون لا يجد من يدفع عنه رشوة لتهريبه. أمّا المدمن فيستطيع تدبير الأمر. تجّار المخدّرات يهربونه لحاجتهم إلى زبائن. فإن صار المدمنون كلّهم في العصفوريّة أفلس التجّار من أمثال حبيب شقيق الممرّضة.
كانت العصفوريّة تدفع خمسًا وعشرين ليرة لمن يعيد مريضًا إليها. والدركي كان يهرّب المجانين ويتواطأ مع من يعيدهم إليها فيقبض في كلا الحالين.
مسز "هيلين" رئيسة المستشفى لم تكن تقبل غير المسيحيّين للعمل في العصفوريّة. وحين أراد ابن جيراننا "حسين" أن يلتحق بنا، وكنّا نحو عشرين رجلاً وامرأة، رفضته المرأة الإنكليزيّة التي لا تبتسم. ولكنّ "حسين" احتاط للأمر وأظهر لها شهادة عماده فقبلته. أفادته أمّي لـ"حسين" حين قالت لأمّه جارتها:
(عمّدي الصبي كي يشفى من أمراضه).
في ذلك الزمن لم تزعل "إم حسين" ممّا سمعته، لو قيل هذا الكلام اليوم، لصار الدم للركب.

في أسفل العصفوريّة مدفن امرأة اسمها "سعود". كانت تقيم مع رجل بلا زواج فأنزلت بها الكنيسة حرمًا، وحين ماتت دفنت بين الصخور من دون صلاة أو بخّور. "سعود" كانت جارة العصفوريّة في حياتها وموتها. هي مثلهم كانت خارجة عن قوانين الناس والمجتمع، ومثلهم كانت لها حكاية لا يعرف أحد الحقيقة فيها من الخيال".