الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الاثنين، 10 أكتوبر، 2011

أحلام "حبيب" وصخور "لبنان"



يوم عاد "حبيب" إلى لبنان، كان يحمل حقيبة رياضيّة صغيرة، فيها قليل من الحاجيّات الأساسيّة البسيطة، فمرّ على حواجز الأمن من دون تأخير أو عرقلة. غير أنّ ما لم ترصده أجهزة المراقبة على أرض المطار هو أنّ هذا الشاب الجميل كان يحمل في رأسه مشاريع هي أقرب إلى الأحلام الكبيرة التي لو عرف بأمرها أعداء لبنان لعملوا على الحصول عليها بكلّ الطرق الممكنة، أو على الأقلّ على عرقلة وصولها. ولا يخفى أنّ أخطر أعداء لبنان مزروعون في كلّ مكان، وداخل لبنان لا خارجه.
وحين صار "حبيب" على بعد خطوات من البوّابة الكبيرة التي سيخرج منها إلى الشارع العريض ومنها إلى رحاب الوطن، فكّر في أنّه أخيرًا سيرى هذا الـ"لبنان" الذي أخبره عنه والده وجدّته وعمّاته وأعمامه، وسيكتشف الأرض التي حكت له عنها سفيرتها إلى النجوم حين كان حبيب يراقب السماء ليرصد تحرّكات الكواكب والنجوم والغيوم ويرصد تأثيرها على أمواج البحر، البحر الذي يعشقه "حبيب"، والذي أتى إلى بيروت بحثًا عن وجهه الآخر.ولا داعي للتوضيح أنّ ذلك الشاب لم يجد ما كان يبحث عنه حين وطئت قدماه إسفلت الشارع، أو حين ارتطمت عيناه ببشاعة الأبنية وأزكمت أنفه روائح النفايات، أو حين اكتشف أنّ الأحلام الكبيرة تحتاج إلى مساحة حريّة ليس الآن موسمها في هذا الوطن الذي لا يشبه ما في الحكايات ولا ما في الأغنيات.
عاد "حبيب" إلى لبنان وفي باله مشروع لبناء السفن على شاطئ "جبيل". سفن شراعيّة، سفن للصيد، سفن للنزهات، سفن من مختلف الأحجام والأنواع تحمل أسماء بحّارة أوائل تركوا هذا الشاطئ حاملين معهم أحرفًا وألوانًا وحكايات. غير أنّ أحلامه تكسّرت على صخور الشاطئ اللبنانيّ الذي يملكه سياسيّو لبنان وتجّاره، وأشرعةَ مشروعه مزّقتها عنجهية المترفين وكسل المتخمين وسخرية المرشّحين، وكلّ واحد منهم يقول له: عد بعد الانتخابات. ليس الوقت الآن ملائمًا للأحلام. ماذا ستكون حصّتنا من مشروعك؟ وما الفائدة من بناء السفن إن لم تكن فضائيّة؟ أتريد أن يسخر منّا العالم ويتّهمنا بالعودة آلاف السنين إلى الوراء؟ أتريد أن تقسم البلد بين موال يحلم بسفن تمخر البحار وتذكّر بماض مجيد، ومعارِض يرفض أن يكون في لبنان سفن غير سفن الصحراء؟ ومن أين نأتي بالخشب لبناء المراكب وغاباتنا أكلتها النيران وقصور الغرباء؟ ومن أين تبحر سفنك أيّها الشابّ وموانئنا أملاك خاصّة يمنع الدخول إليها؟ وكيف سنقودها ونحن نؤمن بأّنّ الرياح تجري لا كما نشتهي؟ وماذا نحمّلها وشعبنا لا يصطاد إلّا في المياه العكرة؟
لم يعرف "حبيب" كيف يجيب عن هذه التساؤلات. فصمت وغرق في حزن أوسع من بحر "بيروت" الذي تغنّي له "فيروز"، وعتب في سرّه على والده وجدّته وعمّاته وأعمامه لأنّهم سمحوا له بالمجيء إلى حيث تتكسّر الأحلام الكبيرة كما تتكسّر المراكب الصغيرة في خضّم العواصف. وحين كان يحمل حقيبته الصغيرة ليرحل بحثًا عن شاطئ جديد يتّسع لحلمه القديم تذكّر من ترك قبله هذه الأرض هربًا من الذلّ والعبوديّة وبحثًا عن عوالم لا حدود لها، فبدت "قرطاجة" علامة مضيئة تومئ له كحوريّة بحر ليتبعها إلى حيث يبني مراكب تحمل أسماء بحّارة لا يموتون ولا غرقوا. وإلى تلك الجهات مضى، على خُطى جدّيه "قدموس" و"أليسار" اللذين مشيا على المياه، وخُطى كلّ الذين يتّسع لهم تاريخ هذه الأرض وتضيق بهم جغرافيّتها. وحين كانت قدماه تخطوان خطوات ثابتة نحو مستقبل واعد، كان صوت من شواطئ لبنان ينتحب ويقول: كان هذا هو ابني الحبيب الذي بعودته سررت وبرحيله ينغلق الأفق وتقفل أبواب السماء.

ليست هناك تعليقات: