الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 14 أكتوبر 2011

آثار 11 أيلول قصصاً في «عين لندن» لفاتح عبد السلام


يبدو واضحاً أن شخصيات المجموعة القصصية «عين لندن» للكاتب العراقي فاتح عبد السلام ( الدار العربية للعلوم - ناشرون)، على اختلاف أعمارها وظروفها، لم تستطع النجاة من سوء فهم حضاري كبير وخطير اختبره العالم بسبب الإرهاب، فالقصص التي كتبت بين عامي 2010 و2011، تستعيد على طريقتها ذكرى 11 أيلول 2001، وما أثاره ذلك الاعتداء الإرهابي من ردود فعل تجاه العرب، إنْ بالحرب على العراق أو بالتعرض لمسلمين يقيمون في بلاد الغرب. وبما أن الكاتب يقيم في لندن، جاءت هذه القصص من وحي معايشته وضع الجاليات العربية وكيف تعرض كثير من أبنائها لمواقف يختلط فيها استدعاؤهم ذكريات من بلدانهم الأم بتفاصيل حياتهم في البلد الذي يحاولون الذوبان فيه.
في القصة الأولى التي تحمل المجموعة عنوانها، يتوجه المهندس «يوسف» بعد مقابلة عمل فاشلة إلى العجلة الدوارة الكبيرة المرتفعة في لندن والتي يطلق عليها اسم «عين لندن»، أو عجلة الألفية، لكونها افتتحت عام 2000. وبسبب عبارة مزاح قالها في معرض حديث عفوي مع سيدة بريطانية حين كانا يتناقشان في بشاعة شوارع لندن الضيقة، واقترح فيها أن يقوم بهدم نصف المدينة ليعيد بناءها، صار، وبناء على ملامحه الشرقية، متهماً بالإرهاب. أما في القصة الثانية «الشظية لا تزال في ساقي»، فالرجل يقع ضحية جهله اللغة الإنكليزية، إذ شارك، وهو المصاب بشظية في رجله من القصف الأميركي البريطاني، في تظاهرة ظن أنها ضد الحرب على بلاده (العراق)، واعتدى بالضرب على رجلَي شرطة، في حين أن التظاهرة قام بها سائقون بريطانيون لأسباب تتعلق بمطالبهم الخاصة، ولكن سوء الفهم ليس محصوراً في هذه القصص بالعلاقة مع الآخر الغربي، لذلك تصور القصة الثالثة «ماراثون المسافات القصيرة» رجلاً لم يجد في عائلته من يسمعه، وحين اعتصم بالصمت اعتُبر مريضاً أصم، بينما يتحول قرع الأجراس في القصة الرابعة «الناقوس لا يقرع الآحاد» لغة تعلن وفاة شبان بريطانيين يشاركون في الحرب على العراق.
التباسات
«لحظة الاستنساخ البشري» هي القصة الخامسة، وفيها يخيل للرواي أنه رأى معلم اللغة العربية الذي كان أستاذه في بغداد، ثم تبين له أنه ليس هو. والالتباس يتكرر في القصة السادسة «حديقة عباس في ساوث هول»، حين يخيل لجيران «عباس» أن والده الذي أتى من العراق ونقب الحديقة المهملة أمام المنزل وباركها بعمله، لا يزال يقيم مع ابنه، مع أنه عاد إلى بلاده ومات منذ أعوام. والقصة السابعة «جنية الساعة الحادية عشرة»، تروح أعمق في الالتباس نفسه، إذ يصر بطل القصة على أن المرأة العجوز التي يراها تمر في الشارع كلَّ يوم في الموعد نفسه جنية، على الرغم من كل المؤشرات التي يعرف أنها تتناقض مع ذلك.
فما الذي يريد «فاتح عبد السلام» قوله عبر جمع كل هذه الالتباسات في مجموعة قصص كتبت من وحي الحياة في لندن؟ لا شك في أنه يريد التأكيد على أن الجميع ضحايا حالة الرعب التي أثارها الإرهاب في العالم، يتساوى في ذلك أهل الشرق والغرب، المهاجرون والمقيمون، كأن الناس كلهم وقعوا في غربة عن أنفسهم وعما يحيط بهم، فعمَّ التيه والضياع، ولم يعد أحد يرى أحداً على حقيقته أو يصغي إلى ما يقوله، فالأحكام المسبقة جاهزة تنتظر من تنزل فيه من دون منطق أو إنسانية. من شاهد فيلم «إسمي خان ولست إرهابيا» (2010) للمخرج الهندي «كاران جوهار»، لا يستطيع وهو يقرأ هذه القصص أن يبعد وجه ذلك الرجل الهندي المسلم المسالم الذي يسعى طوال الفيلم لمقابلة الرئيس الأميركي لإعلامه بأنه وإن كان مسلماً فهو ليس إرهابياً. أستدعي هذا الفيلم لأقول إن الفنون والآداب العربية لم تستطع بعدُ أن تخاطب الضمير العالمي بجرأة وجمالية لتعلن تبرؤها من الإرهاب، فمازالت الإنتاجات فردية متواضعة محكومة بقدرات أصحابها المحدودة في غياب آلة إعلامية ضخمة تسوِّق صورة العربي المثقف المتمدن وتطرد من المخيلة ما زرعته هوليوود خلال عقود، لولا بضعة أفلام، عن العربي السكير، اللعوب، تاجر البترول... ثم الإرهابي. لذلك، أصاب «عبد السلام» في اختيار شخصيات إيجابية التفكير وإنْ عاجزة، متعلمة تسعى لإثبات نفسها، عاملة، وليست عبئاً على أحد: ففيها المهندس، والمجدّ في عمله، والبَرُّ بوالديه، والمتعاطف مع جيرانه، والمزارع الذي جعل الملكة إليزابيث ترغب في التعلم من تجربته في معاملة الأرض. ولعل الكاتب نفسه يعرف أن محو ما علق في الوعي الجماعي العالمي يحتاج إلى مزيد من هذه الشخصيات.
العودة الى اللغة
ثمة أمر آخر يستدعي التوقف عنده في موضوع اللغة، وأستعير هنا عبارة من الكتاب: «أعود إلى اللغة، لعلها هي السبب العائق اليوم» (ص 71)، فسوء الفهم الذي يتوزع على صفحات هذه المجموعة قد يكون بسبب جهل بعض الشخصيات اللغة الإنكليزية، الضرورية بلا شك لمن يريد الانصهار في الحياة البريطانية. لكن من يجيد هذه اللغة كأهلها لم يكن في منأى عن تحوير كلماته، ما يعني أن الأمر أبعد من قضية اللغة، علماً أن الشعوب العربية اليوم تتخاطب بالإنكليزية حين يعجزون عن فهم لهجاتهم العربية المحلية. وفي هذا المجال، نتوقف عند رأي مهم ومعبر أبداه الكاتب على لسان إحدى الشخصيات (مدرس اللغة العربية)، وهو يصف تعامل المستعمرين مع اللغة العربية: فالفرنسيون في الجزائر مثلاً حاولوا إلغاء اللغة العربية، ما جعل الرئيس الجزائري «بومدين» يطلق حملة للتعريب ضد فَرْنَسَة الحياة الجزائرية، في حين لم يُوْلِ الإنكليز اللغةَ أيَّ اهتمام، ولعلهم كانوا يسعون لتعلم العربية بدل نشر الإنكليزية (ص 70). وهذا أمر يستحق دراسة أثره على شعوب المنطقة، ولعلنا في لبنان معنيون مباشرة به، كوننا منقسمين بين هاتين اللغتين، وغالباً على حساب اللغة العربية. مع التأكيد على ملاحظة الكاتب أن الفرنكوفونيين يفتخرون باستخدام الفرنسية في أحاديثهم اليومية ومع أولادهم، في حين لا نجد مثل ذلك عند الأنغلوفونيين. «استعماران وأسلوبان في التعاطي مع اللغة»، بحسب هذه المجموعة القصصية، وموضوع يحلو التعمق فيه خارج إطار هذه القراءة النقدية، وإنْ من وحيها، وذلك للوقوف على الأسباب والنتائج.
القصة القصيرة نوع أدبي يحاذر أكثر الكتاب العرب المعاصرين الاقتراب منه لصعوبته، إنْ في اختيار الموضوعات أو في الاعتناء باللغة التي يجب أن تجمع بين الجمالية والمتانة والاختزال، غير أنني أخشى أن تكون «عين لنـدن» مـصوَّبة على القارئ الأجنبي ففاتها أن تنظر بعمق إلى ما يتـوق إلـيه القارئ العربي النيّق.

ليست هناك تعليقات: