الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الجمعة، 28 أكتوبر، 2011

يوميّات الأرض والزيتون





المشهد الأوّل

عندما عادت أمّي إلى أرض والديها استعادت لهجتها القرويّة وفرحها الداخليّ وفاضت ذاكرتها بأخبار الطفولة والمراهقة. عادت أمّي لتقطف الزيتون من أرض تركتها حين انتقلت مع أهلها إلى مدينة "عالية"، حيث تزوّجت ومن هناك انتقلت إلى بلدة "بعبدا"، وها هي اليوم تعود، بعدما صارت جدّة عجوزًا، وبعدما دمّرت الحرب بيوت قريتها وهجّرت أهلها وأحرقت أشجارها.
كانت أمّي تحلم دائمًا بامتلاك قطعة أرض في قريتها، ومع الحرب التي طالت ظنّت أنّ هذا الحلم لن يتحقّق، وخشيت أن تموت قبل أن تتاح لها فرصة العودة إلى حيث كانت تعيش جدّتها. وأمّي كانت تحبّ جدّتها، ولا تزال تتكلّم عنها بحنان دافئ يشعرنا بأنّ الزمن لم يمض وبأن تلك المرأة العجوز لم تمت منذ أكثر من أربعين عامًا.
على طرف الحقل صخرة مشرفة على واد مهيب وجميل، كانت أمّي تأتي في مراهقتها وتجلس عليها مع صديقتها. كانت الحكاية تتوقّف دائمًا هنا، لأنّ أمّي لم تكن تخبرنا عن أحاديثها مع صديقتها ولا عن أحلامهما ولا عن قصصهما مع الشبّان، ولم نكن نسأل، لا لأنّنا لم نكن نريد أن نعرف بل لأنّنا نعلم بأنّ أمّي البارعة في سرد الحكايات بأدقّ التفاصيل كانت تنأى عن الخوض في بركان المشاعر والانفعالات ومغامرات المراهقة، ففي حكاياتها الكثيرة، لم تكن أمّي تغادر طفولتها أو تبتعد عن جدّتها.
كيف استعادت أمّي صحّتها ونشاطها مع أولى خطواتها البطيئة في حقل الزيتون، مع أنّها كانت تتوكّأ على عصا غليظة التقطتها ما أن ترجّلت من السيّارة؟ ولماذا بدت مختلفة في تصرّفاتها وكلامها؟ وكيف انتعشت في رأسها أسماء النباتات والأعشاب والحقول في أرض لم يصل إليها المسح الجغرافيّ بعد، ولا يزال الناس فيها يضعون الحدود لأراضيهم وهم يحسبون عدد الجلول أو عدد الشجرات؟
كانت أمّي تحكي ونحن نشاكسها بالتعليق على أخبارها، غير أنّها لم تُستفزّ بل اندفعت في قطف الزيتون وملاحقة الحبّات الناضجة بنشاط لا يتناسب مع سنّها وصحّتها، وهي تستعمل مفردات زراعيّة معبّرة. قالت وهي تنبّه حفيداتها اللواتي تركن بضع حبّات من الزيتون على الأرض: لا أريد أن "أعفّر" وراكم. وهي تقصد أنّها لا تريد منهنّ أن يتركن خلفهنّ حبّات زيتون متروكات على الأرض أو على الأشجار. لاحظوا هذه الكلمة: أعفّر، تستعملها امرأة قرويّة من دون أن تعرف أنّ الفعل يعبّر عن فلاّح كان يعفّر جبهته في التراب بحثًا عن حبّة زيتون هي رزقه وثروته وأمان عائلته وضمان المستقبل. وهكذا تحوّل العمل في الأرض معجمًا كبيرًا من المصطلحات المرتبطة بالتعب والجهد، وأخذت أسماء الحقول تشي بحكايات التاريخ والجغرافيا ومسيرة الفصول وسيَر الناس، فهذا الحقل اسمه "العودة"، وذاك "الخندق"، وآخر " المجنونة"، وغيره " الحفّة"، وسواه "الشوار"...
بقيت اللغة وبقيت المعاجم أمّا الأرض فتتحوّل يومًا بعد يوم منازل مرمّمة ومهجورة وأشجارًا مقطوعة أو محروقة، هذه كانت خاتمة المشهد الأوّل من يوميّات قطاف الزيتون في قرية تستقبلك فيها بعض الأشجار وكثير من المدافن قبل أن تلتقي بالبقيّة الباقية من أهلها.






المشهد الثاني
هل كانت أمّي وهي تقطف حبّات الزيتون تفكّر في أمّها؟ وهل تصالحت معها بعدما عرفت حقيقة مقتل والدها وبعدما مضى الاثنان إلى موتهما تاركَين خلفهما أسئلة لا أجوبة عليها؟ ولماذا نصدّق ما يقوله لنا الغرباء ونخاف أن نثق بمن نعرفه؟
حين أتت جدّتي من الجبل أخبرتنا بما تعرفه عن مقتل جدّي، غير أنّنا لم نصدّق الحكاية التي بدت كأنّها من تأليف روائيّ بارع يحسن تصوير الشخصيّات وربط الحوادث. غير أنّ البدويّ الغريب الذي صودف وجوده في سيّارة الأجرة روى الحكاية نفسها بعد مرور خمسة وعشرين عامًا على الجريمة. وعندها صدّقت أمّي أمّها وبكت.
تحدّث البدويّ قال: سمعنا صوت انفجار ثمّ سمعنا ثلاث طلقات رصاص وصراخ المرأة المسيحيّة التي بقيت مع زوجها في البلدة بعدما هرب الجميع. كان الرجل أمام الكنيسة غارقًا في دمائه، حملناه وأخذناه إلى البيت، وهناك غسلته زوجته بعدما أجبرتنا على تأمين تابوت له. قلنا لها: يا امرأة، الدنيا حرب، والقتلى بالمئات فمن أين نأتي بالتابوت في هذه المجزرة؟ غير أنّ المرأة لم ترضخ لاعتراضنا وقالت: أبو سليم يستحقّ أن يدفن بشكل لائق. جمعنا صناديق الخشب التي كان يجمعها العجوز أمام بيته وقودًا للتدفئة، وصنعنا منها تابوتًا، ووضعنا فيه الرجل العجوز بعدما ألبسته امرأته شرواله الأسود ووضعت معه طربوشه الأحمر، وقالت لنا سنأخذه إلى القرية، وندفنه في مدافن العائلة.
ظننا أنّ المرأة جنّت، فالمسلّحون منتشرون على الطرقات، والقرى خالية إلاّ من الراغبين في مزيد من الدم، غير أنّ أمّ سليم أجبرتنا على تأمين سيّارة ربطنا التابوت على سطحها وأخذناها إلى قريتها. قبل أن نصل بقليل، اعترضنا حاجز مسلّحين منعونا وأمرونا بالعودة من حيث أتينا، فالقرية التي نقصدها مهدّمة والنار تتصاعد من بقايا منازلها وحدودها مزروعة بالألغام. بدا على المرأة أنّها لم تسمع كلمة ممّا قيل أو كأنّها لم تفهم أو كأنّها لم تكن تريد أن تفهم، فترجّلت من السيّارة وقالت لنا: انتظروني! ثمّ عادت بعد قليل لتأمرنا بمتابعة الطريق إلى أوّل مدفن في القرية. وهناك، وفي عتمة الغروب والحرب والقبر وضعنا الصندوق الخشبيّ على مدخل المدفن المخلوع الباب، وعدنا مسرعين إلى السيّارة وأصداء الانفجارات تتردّد في ذلك الوادي المخيف المحاط بالتلال الواجمة. التفتنا إلى الخلف فرأينا المرأة راكعة تصلّي ثمّ تمدّ يدها إلى صدرها وتتناول مسبحة من تلك التي يحملها المسيحيّون للصلاة ثم تفتح الصندوق وتضع المسبحة فيه وتلحق بنا.
تابع البدويّ حكايته الغريبة أمام رفاق الطريق الغرباء وقال: لم ترض المرأة بأن نعيدها إلى بيتها لأنّها لم تعد تريد شيئًا من هناك بل أمرتنا بأن نوصلها إلى أقرب مكان محايد تستطيع منه الاتّصال بأقربائها وأولادها.
عندما وصلت جدّتي إلينا حكت الحكاية نفسها، غير أنّ نظرات الشكّ في عيوننا أجبرتها على الصمت بعد ذلك أو على اختصار الحكاية إلى مجموعة من الكلمات غير المترابطة وغير المنطقيّة. وحين ماتت بعد سنوات أيقنت أمّي بأنّها لن تعرف أبدًا المكان الذي دفن فيه والدها لتضع شمعة وزهرة على قبره. لكنّها وهي تقطف حبّات الزيتون بعد خمسة وعشرين عامًا على الحادثة، ومن الحقل الذي تحرس حدوده الجنوبيّة مقبرة والدها، بدت ساكنة هادئة كأنّها عرفت الأجوبة على أسئلتها وليست مضطرة إلى مشاركتنا بها.




المشهد الثالث
الكنيسة التي قتل قربها جدّي لا تزال ركامًا. بناها باني الاستقلال الرئيس بشارة الخوري على اسمه وفي الشارع الذي يحمل اسمه وبالقرب من القصر الذي كان يحمل اسمه. هل هي دلالات الأزمنة وإشارات المصير، تريد أن تقول لنا إنّ الاستقلال لم ينهض بعد من تحت ركام الحرب؟ كنيسة سيّدة البشارة لا تزال على الرغم من السلام الهشّ في بلادنا عاجزة عن تبشيرنا بخلاص قريب، كأنّ زمن الأخبار السارّة لم يحن وقته بعد.
أمّا البيت الذي أمضيت فيه طفولتي ومراهقتي فتقيم فيه عائلة لا ترتبط بماضي البلدة الذي أحفظه غيبًا. لا أثر لأحواض الأزهار الموجودة في ذاكرتنا والصور، ولا للمقاعد العتيقة ولا للعريشة وشجرة التين وقنّ الدجاج. رائحة المكان محايدة لا نكهة لها، جعلتني أبحث بكلّ حواسّي عن عطر الستّ نبيلة، سيّدة المكان التي كنت ألاحق تحرّكاتها الأنيقة وأنا أشعر بـأننّي على مقربة من نجمة سينمائيّة من طراز فاتن حمامة. لم يكن عطر السيّدة يعود إلى ذاكرتي إلاّ برفقة رائحة الخبز الطازج الذي ترفعه جدّتي عن الصاج وتوزّعه على الستّ وعائلتها وحاشيتها وضيوفها. كان ذلك في موسم العزّ، ولم يكن أحد يعرف، حتّى الستّ نفسها، أنّ الخبز والملح لن يقدرا على مقاومة نداء الدم.
في داخل المنزل قطعة أثاث واحدة تعود إلى ذلك الزمان السعيد. اكتشفها أخي وهو يبحث عن شيء ما يؤكّد أنّ حياتنا مرّت فعلاً من هنا، وأنّ الأمر لم يكن مجرّد حلم ليلة صيف في مخدع عروس المصايف التي ترمّلت باكرًا. لماذا لم يأخذ كلّ الذين مرّوا على هذا المنزل منذ خمسة وعشرين عامًا البرّاد العتيق القابع في مكانه المعتاد؟ لماذا لم يرمه أحد؟ وكيف استطاع الاستمرار في عمله بعد كلّ هذا الوقت؟ البرّاد الذي كان عتيقًا حين كنّا صغارًا، وبقي عتيقًا حين عدنا، هل صار المشرحة الباردة التي تحفظ جثث الذين رحلوا؟ حين غادرنا المكان، كنّا نبكي ونضحك. حاولنا أن نمحو بكاء القهر بضحكات بلهاء ونحن ندّعي أنّنا نتذكّر برّاد الجمعيّة الذي غنّى له الأخوان رحباني وكتبوا على شرفه أحد أعمالهم الموسيقيّة الأولى.
أمّي التي تركناها تنتظر الزيت من المعصرة كانت في هذا الوقت تشهد أوّل قطرات من العصير الطازج وهي تنساب برقّة من زيتونات قطفتها من قرب مدفن والدها، ولم تعلم بأمر مرورنا على بيت والديها. لم نخبرها بأنّنا، بعدما عرفنا أين دفن جدّي وكيف قتل، أردنا أن نختم الحكاية على خشبة المسرح نفسه الذي شهد البداية. كان علينا أن ننظر إلى البيت الذي حمّلناه المسؤوليّة عن موت جدّي الذي لم يرغب في تركه، كأنّ بقاءه في البيت، قرب الكنيسة، سيمنع الحرب عن المرور من هنا. مشينا من الكنيسة إلى البيت، كأنّنا نعيد تمثيل مشهد عودته إلى حيث غسلته جدّتي وألبسته ملابسه القرويّة التقليديّة ووضعته في صندوق جمع على عجل.
لا أعرف إن كان أحد منّا سيعود إلى هذا المكان بعد الآن. ولا أعرف إن كان موسم الزيتون الأوّل لنا في قرية أمّي هو المشهد الأوّل من حكاية العودة إلى الجبل. ولا أعرف كذلك إن كان تزامنُ ذلك مع اكتشافنا حكاية البدويّ المتطابقة مع حكاية جدّتي، وفي الشهر الذي قتل فيه جدّي، هو المشهد الأخير من حكايتنا مع ذلك الماضي. غير أنّ ما أعرفه هو أنّني أتمنّى لو كنت أستطيع أن أنسى.

هناك 8 تعليقات:

غير معرف يقول...

النص رائع ثم رائع ثم رائع. الله يرحم ستك وجدك ويطول عمر أهلك.

غير معرف يقول...

al hello fi al souar howa al kamis al byad

Ramy يقول...

أأأأه يا لبنان

رائعة الذكريات

برغم الحزن و رغم الحرب ستظل

الذكريات
بيوت الحنين للماضى
بكل جماله و قبحه

ربنا يخليكوا لبعض

و تروحوا دايماً لموسم الزيتون

(:

...............

الصور أكثر من رائعة

ماري القصيفي يقول...

شكرًا للزائر غير المعروف على رأيه في النصّ ودعائه لجديّ وأهلي. دمت بخير

القميص الأبيض لأخي الآتي من لندن: هكذا في لندن يقطفون الزيتون!!!!!!

رامي، اشكر لك محبّتك ودعاءك. دمت سالمًا

جمال السيد يقول...

العفير في لهجتنا الزراعية هي ريحة التربة بعد سقو/ري، وعفّر وجهه مرّغه بالتراب وفي التراب.
وفي لهجتكم (شو) وهي بلهجة بلدتي (لحج)أيضاً، وليس ببلاد اليمن ولا بجزيرة العربان أحد يقولها. أنتم ونحن (أهل شو).
قرأت وشعرت بمرارة وحزنت .. سردك يحث ويحرّض على الإتعاظ..
عافاك وحفظ لك والدتك بنت الجبل و(عاليه).. طوبى لبطن حملتك.

olga يقول...

Marie ...comme tu es excellente dans la traduction de tes sentiments ...le message passe avec splendeur , nous chatouille le coeur et eveille en nous la nostalgie du passé...toute personne n ayant pas de souvenirs n aura certainement pas d avenir ...que dieu te sauvegarde ta mère pour qu elle continue à te transmettre sa mémoire et qu'à ton tour , tu continue à nous épater à chaque fois qu on te lira ....j ai beaucoup aimé les photos et j aimerais savoir de quel village tu parlais ? je veux dire de quel est le village natal de ta mère ? bisous

ماري القصيفي يقول...

نحن وأنتم إن لامست جباهنا التراب فللتبرّك من الأرض ولريّها من عرق تعبنا، ولا نتذلّل لأحد.
دمت بخير

ماري القصيفي يقول...

أولغا/ سعيدة بعودة مشاركاتك

والدتي من شوريت (الشوف، قرب دير مار مارون المعوش
وأمّي نبع حكايات، أمدّتني بالكثير من مخزون ذاكرتها، ولا تزال بحمد الله تفاجئني بحكايات لم أكن أعرفها.
أشكر لك دعاءك، ورحم الله من ربّاك ابنة أصل.