الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الأحد، 9 أكتوبر 2011

أيّها الجسد! أيّها المخادع!






حين كان الناس ينظرون إلى شاشة التلفزيون ويشاهدون التعب الواضح على قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني كانوا يتساءلون عن سبب امتناعه عن الاعتزال وترك المهمّة لسواه. وعندما يلاحظون مقدار الألم الذي ينطبع على وجهه عند كلّ حركة يقوم بها يزدادون إصرارًا ويقولون: أليس من الأفضل ألاّ يراه الناس هكذا؟ المقرّبون من الحبر الأعظم يؤكّدون أنّه في كامل قواه الذهنيّة والفكريّة، لكنّ جسده هو الذي يقف سدًّا يمنع ما في داخله المتوهّج عن لقاء الخارج المتلهّف، ولذلك من غير العدل أن يُطلب منه الاعتزال، بل من الضروريّ أن يجسّد بصورته الرازحة تحت صليب الألم معاناة المرضى في كلّ مكان.
المشاهدون أنفسهم ينظرون إلى شاشة التلفزيون نفسها ويشاهدون العمر المرتسم على وجه الفنّانة صباح، ويسمعون حيويّة الروح تتململ بين المفاصل الصدئة، ويقولون: ألا يجب أن تمتنع عن الحبّ والغناء والظهور العلنيّ، وتردّ هي متسائلة: لا أعرف لماذا خلقني الله هكذا، مختلفة عن عصري ومحيطي وأنا ابنة وادي شحرور، ربّما كان يجب أن أولد في مكان آخر.
في كلتا الحالتين على اختلاف الصورة والرسالة، ثمّة جسد متعب ومريض يأسر تحت جلده المتغضّن روحًا متوثّبة متحفّزة، ترغب في أن تنطلق إلى العالم الذي تعشقه، وفي الحالتين، تئنّ هذه الروح تحت ثقل العمر عارفة أنّ شبابها المأسور لن يصنع أجنحته من هذا الجلد العتيق المخادع.
ومثلهما: الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، الشاعر سعيد عقل، الفنّان وديع الصافي، فيروز، أجساد شاهدة على تاريخ، ونفوس متوثّبة لا تستكين ولا تهدأ.
في المقابل، ثمّة أولئك الذين يحتفظون بشباب أجسادهم وطراوتها وليونتها كأنّهم أصيبوا بلعنة أبديّة، إلاّ أنّهم في الواقع كبار في السنّ، يشعرون بالملل والقرف، يطوون أجنحتهم ويعلنون انتهاء المعارك، ويستسلمون لموتهم الداخليّ، فيبدون مسجّين داخل أجسامهم الجميلة التي تشبه النعوش المزخرفة، وينتظرون رحيلهم تحيط بهم عبارات الإطراء لأنّ "العمر لا يظهر عليهم".
وهناك الشباب الذين أصيبوا بشيخوخة نفسيّة باكرة، يرتدون اللباس الأسود ويخاطبون الموت كأنّه صديقهم الحميم، ولا تعني لهم الحياة شيئًا ولا الصداقة ولا الحبّ ولا الفنّ، وينعكس ذلك تلقائيًّا على وجوههم المصفرّة من السهر والأرق، وعلى أجسادهم فيجرّونها جرًّا كأن لا حياة فيها. قادرون على المشي ولا يفعلون (لو يعيرون أقدامهم للعاجزين عن الجري والركض!)، قادرون على السمع ولا يصغون (لو يعيرون سمعهم لمن يرغب في الاستماع إلى أصوات الحياة!)، قادرون على الرؤية ولا ينظرون (لو يعيرون عيونهم لمن يشتهي رؤية النجوم والبحر والغيوم!).
أيّ صراع هذا؟ وأيّ مأزق؟ أجساد سجون، وأجساد مخادعة، وأجساد ضحيّة، وكلّها من تراب، وإليه تعود. ومع ذلك هي قادرة على أن تغري وتسعد وتنجب وتركض وتعرق وتجوع وتعطش وتتعب وترتجف قبل أن تذوي وتموت.
أيّها الجسد المخادع! متى موعد المصالحة؟

هناك 4 تعليقات:

جمال السيد يقول...

متى المصالحة يا مريم؟ الأمر مُلغز حدّ انعدام الإجابة. يعافيك

ماري القصيفي يقول...

معك حقّ استاذ جمال: لا إجابة تفكّ اللغز منذ بدأ الإنسان يرغب في المعرفة. ربّما هذه هي متعة الحياة: السعي لا الوصول

وحي من الداخل يقول...

اليوم أقرأ عن الجسد المتعب..بعد ما كنا السبت مع الجسد المريض..
وهذا انصاف للجسد كعنصر أول في الخلق في اعطائه نصيب من الحديث عنه..فالنفس العنصر الثاني قد شغل الدنيا..ربما لأن الجسد يتعرض لعوامل التعرية!!
lool

سألت صديق أمريكي في منتصف العقد السادس من عمره: ماذا ستفعل في هذا الصيف (2002) فأجاب: سأتعلم الألمانية!!

استطيع أن اربط بين موضوع الامس واليوم ربما في مخيلتي..و أجد أن الارادة ( وتتعلق بشبوبية النفس) قد تتغلب على مشاكل القدرة (وهنا هي الجسد) وذلك وفقاً للعطاء والبذل والحب و و و ....

شكراً سيدتي...اصبح لكوب القهوة طعماً خاصاً وانا اقرأ مقال اليوم واعيد مقال السبت..

دمتي بخير

ماري القصيفي يقول...

يشغلني موضوع الجسد حاليًّا بسبب الانفصام الذي نعاني منه: فمن جهة مجلات وبرامج تلفزيونية تدعو إلى الاهتمام به، ومن جهة ثانية عشرات الجثث كلّ يوم في الشوارع العربيّة!!!!
حاولت الإجابة على سؤالك على موقعك عن الهدف من جائزة نوبل فعجزت. لا اريد التسرّع في الإجابة خشية أن أظلم صاحبة الجائزة
يومًا سعيدًا لك وقهوة لذيذة