الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 11 أكتوبر 2011

لحظة واحدة من الشرف


Goya

علامَ يخاف اللبنانيّون حتّى أنّهم لا يجرؤون على التعبير عن آرائهم الحقيقيّة لا عن تلك التي حفظوها بعد سلسلة من عمليّات غسل الدماغ اليوميّة؟ ماذا يخشون وكلّ شيء يرتفع ثمنه ما عدا حياتهم الرخيصة السخيفة الفارغة، وأعراضهم المستباحة وكراماتهم المنتهكة؟
*******
من المنطقيّ أن يخاف الإنسان أوّلاً على حياته وحياة من يحبّ فيقنع نفسه قائلاً "حادت عن ضهري بسيطة"، و"السلامة غنيمة" و"الروح عزيزة". غير أنّ هذا الخوف لن يمنع الموت في انفجار سيّارة قد تستهدف سيّارة مسؤول أو صحافيّ، أو في حادث سيّارة بسبب سائق أرعن، أو بعد الإصابة بالسرطان أو الذبحة القلبيّة أو الجلطة الدماغيّة أو السكريّ أو الانتحار بسبب انهيار الأعصاب.
فالخوف من الموت إذًا لن يمنع الموت ما دامت الحياة في لبنان تقدّم رؤوسنا على طبق من الفضّة. فلماذا إذًا لا يفعل اللبنانيّون شيئًا ويقولون كلمتهم ويمضون ولو إلى الموت؟
*******
ويخاف الإنسان ثانيًا على ماله. فيقول في نفسه "إذا كان الكلام من فضّة فالسكوت من ذهب" و"فخّار يكسّر فخّار".
وإذا كان المال في البلاد التي يفترض أن تحترم كرامة الإنسان يعني الاندفاع في مطلع الشباب، والتقدير في الكهولة، والأمان في الشيخوخة، فالأمر في لبنان ليس كذلك، لأنّنا في مطلع حياتنا العمليّة نذلّ ونستغلّ وتسرق أفكارنا فنضطر إلى المسايرة والخضوع والسكوت، وفي أواسطها نهدّد بأنّ "أمثالنا على قفا من يشيل"، وفي نهايتها نُطرد أو نسرّح أو نُصرف أو نستقيل لنحفظ بعضًا من كرامتنا، ونصير عرضة لشماتة الأشرار وعطف الأخيار.
وإذا كان المطلوب من المال أن يؤمّن الاطمئنان، فهو في لبنان يسبّب التوتّر والقلق. فكلّما ارتفع راتبنا ازدادت مصاريفنا، وبات من الطبيعيّ أن ندفع ما يصلنا من مال لتسديد فواتير الماء (للدولة من أجل مياه الخزّان وللشركة من أجل مياه الشرب) والكهرباء (للدولة والموتير) والاشتراك في "الدش" وبواليص التأمين للسيّارة والاستشفاء، وأقساط المدارس، والهواتف الثابتة والمتنقّلة، والأدوية التي لا يعترف بها الضمان الصحيّ أو شركات التأمين. هذا فضلاً عن الكماليّات: كالطعام (نعم، لم يعد مهمًّا أن نأكل)، والملابس، والأحذية، والنظّارات الطبيّة، ومعالجة الأسنان.
فإذا كان هاجس المال سيجبرنا على تأمين أدوية الأعصاب لنحافظ على عملنا، والنظّارات الطبيّة وطوق للعنق والرباط الطبّي للظهر لنتحمل العمل أمام الكومبيوتر، والجهاز الخاصّ بحماية أسناننا من التشنّج الليليّ لئلاّ نطحنها من شدّة الغضب والقهر، وجلسات التدليك لعلنا ننجو من عمليّة "ديسك"، مع نصيحة بالمشي على الطريق لأنّه أرخص أنواع الرياضة ولو تنشّقنا روائح المجارير المكسورة أو دخان السيّارات وموتورات الكهرباء،...إذا كان هذا ما سندفعه مقابل الراتب فلماذا هذا الاذلال الذي يسمونه لياقة: "تحقيق الذات"؟
**********
وقد يخاف الإنسان على شرفه وسمعته من الفضيحة والتشهير. فيعمل المستحيل كي يبقى "صيته كالمسك" وكي لا تطاله ألسنة السوء فتنزل به الكلمات مجرّحة مهشّمة محطّمة.
ولكنّنا جميعنا نقيم في بيوت من زجاج. وكلّنا ارتكبنا الآثام والخطايا، وكلّ واحد منّا زنا أو خان أو سرق أو كذب أو اختلس أو نمّ أو اغتصب أو قتل أو شوّه سمعة أحدهم أو ارتقى في عمله على أكتاف غيره أو ظلم عاجزًا أو عذّب أسيرًا أو سوى ذلك من الخطايا والجرائم، فلماذا نخاف إذًا من سوانا وسوانا يبحث عن ورقة التين ليخفي عورته؟
من منّا لا يستطيع الحصول على معلومة معيبة أو صورة لقاء سريّ أو فيلم إباحيّ عن رجل دين أو رجل دولة؟ من منّا لا يعرف فضيحة جنسيّة أو ماليّة عن مدير أو مسؤول أو إعلاميّ أو محاسب أو معلّم أو راهبة أو طبيب أو قاض أو زوج أو زوجة؟ فلماذا إذًا نخشى أن نقف أمام المرايا ولماذا نخاف على سمعتنا ونحن نعرف أنّ الآخرين لن يرجمونا بحجر إلاّ إذا كانوا يريدون تهديم الهيكل على كلّ من فيه؟ وعند ذلك عليّ وعلى أعدائي يا ربّ.
المطلوب قليل من الجرأة في زمن الموت الرخيص.
المطلوب وقفة عزّ واحدة في زمن "الزحفطونيّة".
المطلوب لحظة قداسة واحدة أو لحظة بطولة واحدة: في المستشفيات والمدارس والمعامل والشركات والأديرة ووسائل الإعلام ومؤسّسات الدولة.
المطلوب لحظة شرف واحدة ولو فقدنا حياتنا أو رجلنا أو يدنا أو جنى عمرنا.
المطلوب أن نرفع رأسنا ولو لمرّة لعلّنا نرى السماء وعند ذلك سننسى الأرض وكلّ من عليها.
المطلوب أن نتعلّم من أخطائنا وأن نعلّم الآخرين منها كذلك.
المطلوب أن نقول لا، وليمت أولادنا من الجوع والمرض بدل أن يوصموا بعار آبائهم وأمّهاتهم، وليطردوا من المدارس بدل أن يتعلّموا الخنوع والخضوع والخوف والسطحيّة والغباء والذلّ، وليبحثوا عن منابع الحياة في دواخلهم البريئة الصافية بدل أن يقضوا أعمارهم في التفتيش عن لحظة شرف واحدة في حياة أهاليهم الذليلة.

ليست هناك تعليقات: