الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 22 أكتوبر 2011

نحن اخترعنا البكاء


أثبت باحثون أميركيّون وهولنديّون في جامعة جنوب فلوريدا أنّ البكاء مفيد. وأكّدت الدراسة التي نشرت في مجلاّت علميّة متخصّصة وتناقلتها بعد ذلك وسائل الإعلام على أنّ العدد الأكبر من الأشخاص الذين أجريت عليهم الدراسة ارتاحوا بعد نوبة البكاء، ومن لم يرتح كان منزعجًا لكونه تحت المراقبة وخاضعًا لاختبار علميّ.

لا نعرف كم كانت كلفة الدراسة، ولو كان بين الباحثين عالم من أصل عربيّ ويعرف شيئًا عن تاريخ أجداده لوفّرت الجامعة مبالغ كبيرة ولكان عنوان الدراسة: قفوا نبكِ، أو ابكوا كالنساء ملكًا لم تحسنوا المحافظة عليه كالرجال، أو "طلعلي البكي نحنا وقاعدين". وما إلى ذلك من العناوين التي تعبّر عن أنّ البكاء من تراثنا وتقاليدنا ولم نكن ننتظر نصيحة الأميركيّين ومساعديهم الهولنديين لكي نبكي. على كلّ حال، لم يقصّر الأميركيّون في توزيع هذا الدواء المريح للأعصاب على بلداننا العربيّة، فكلّ ما فعلوه في منطقتنا هو دفعنا إلى البكاء دمًا لا دمعًا، ولكنّنا لم نرتح، لأنّ الأدوية التي ترسل إلينا منتهية الصلاحيّة أو أنّها أثبتت فشلها لكثرة عوارضها الجانبيّة.
نحن نبكي كثيرًا، ونتناول جرعات علاجنا من الدموع بحسب مواعيدها ولا نتأخّر عنها لحظة، ومع ذلك لم نعرف الراحة التي تحدّث عنها من خضعوا للاختبار. فهل يكون السبب أنّنا من الفريق الآخر الذي انزعج بسبب خضوع بكائه لمراقبة دقيقة وتصوير وتحليل واستنتاج؟
حين طلب امرؤ القيس من مرافقَيه أن يقفا ليبكيا معه، لم يكن يعرف أنّ هاتين الكلمتين: "قفا نبك" ستسيلان حبرًا كثيرًا في تحليلهما وشرحهما ومعرفة أبعادهما في محاولة لمعرفة من هما الاثنان المرافقان، ولماذا الوقوف، ولماذا البكاء، وما قضيّة الوقوف على الطلل الدارس، والبكاء من ذكرى الحبيب والمنزل. وحين دعا أبو نوّاس في العصر العباسيّ الواقفَ على الأطلال للجلوس كي يبكي ما طاب له البكاء لم يكن يعرف أنّنا سنلبّي جميعنا الطلب ونستقرّ في مجالس عزاء لا قيمة دينيّة لها ولا أبعاد نفسيّة ولا قيامة نؤمن بها بعد جلجلة الألم، بل مجرّد نحيب كأطفال حرموا الحليب ولا حول لهم ولا قوّة على الوقوف كالرجال.
في الروايات بكاء، وفي الشعر بكاء، وفي البرامج التلفزيونيّة بكاء وفي المسرحيّات الهزليّة بكاء، وبعد تصريحات السياسيّين بكاء، حتّى السماء تبكي في نظرنا حين تمطر، وكذلك حبال الغسيل والأشجار، والجميلات يبكين لؤلؤًا صار رخيصًا لا قيمة له في الأسواق العالميّة.
نحن اخترعنا البكاء، ولكنّنا نعرف أنّه داؤنا قبل أن يكون دواءنا، وأنّنا نهدره كما نهدر ثرواتنا الطبيعيّة، وأنّه يريح أعداءنا قبل أن يريحنا، وأنّ نساءنا يستعملنه كسلاح أخير عندما تفشل مختلف أنواع الأسلحة الأخرى، ونعرف أنّ الرجال يرفضون البكاء لأنّهم تعلّموا أنّ الدموع نقيض الرجولة، ونعرف أنّ بكاء الطفل يؤلم الروح وبكاء العجوز يعذّب الوجدان. غير أنّنا نستلذّ طعم الملح على شفاهنا، ونستمرئ الدمعة لا الابتسامة، ونغّني في الوقت نفسه مع عبد الحليم: أيّ دمعة حزن لا لا.
على فكرة، لم تحدّد الدراسة المشار إليها إن كان البكاء مفيدًا في حالتي الحزن أم الفرح. ولكن بما أنّني عربيّة كان من الطبيعيّ أن يتّجه تفكيري إلى الحزن وإلى أنّ البكاء عندنا لم يكن حتّى اليوم إلّا بسبب الهزائم. فقفوا نبك.

***
صحيفة البلاد البحرينيّة - الثلاثاء 30 كانون الأوّل 2008

ليست هناك تعليقات: