الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

السبت، 26 ديسمبر، 2009

لا تكابروا! كلّكم تسمعون التوقّعات!


أكثرنا يؤمن بأنّ المنجمين كاذبون ولا صدقوا، ومع ذلك، فكلّنا يسمع التوقّعات، فدعونا من المكابرة. صحيح أنّنا نقدّم أعذارًا مختلفة ولكنّ هذه الأعذار الواهية لا تقنع عاقلاً، فمنّا من يقول إنّه يفعل ذلك للتسلية، ومنّا من يقول: من باب الفضول، ومنّا من يدّعي أنّه ليسخر من "نجوم" آخر السنة الذين يقرأون تحرّكات النجوم، ومع ذلك فكلّنا يلتقط التوقّعات من هنا وهنالك، عبر وسائل الإعلام والكتب وأحاديث الجيران ومواقع الإنترنت غير أنّنا نكابر ونقول إنّنا لا نؤمن بالغيب.
وإذا كنّا كلّنا لا نؤمن بهذه الأمور، فمن يشاهد إذًا برامج التلفزيونات والإذاعات المتعلّقة بهذه المواضيع ما يدفع أصحاب الإعلانات لحجز المواعيد مسبقًا، ومن يشتري الكتب والمجلاّت التي تنشر بالتفاصيل ما سيحدث مع كلّ منّا ومن يسجّل أرقام هذه المبيعات، ومن يؤمّن دخل هؤلاء المنجّمين والرّائين والعرّافين ما يسمح لهم بتأمين مدخول السنة كلّها في ليلة رأس السنة؟ طبعًا، نحن، على اختلاف طوائفنا وبلداننا وأحزابنا.
أمّا لماذا نفعل ذلك، ولماذا راجت هذه الموضة في الأعوام الأخيرة أكثر ممّا كانت عليه سابقًا؟ الجواب بسيط، لأنّنا شعب يئس من الأرض فبحث عن خلاصه في النجوم، وكرهت نفسه ما يراه فسعى خلف ما لا يراه، ولم يعد يطيق ما تقوله الوقائع ففضّل الاستماع إلى ما هو من خارج هذا الواقع، وملاحقة الأوهام على التفكير والتحليل والمنطق. ولنتذكّر أنّ قصص ألف ليلة وليلة بأساطيرها وحكاياتها ما كانت لتنتشر بين الناس لولا رغبة الشريحة الكبرى من الناس في العصر العباسيّ في الهرب من الفقر في أغنى دول ذلك العصر، وما كان "عنترة" ليعود على حصانه من عتمة النسيان لولا حاجة الناس إلى بطل يدغدغ أحلامهم العربيّة في زمن الهيمنة غير العربيّة.
ليس جديدًا أن يبحث الإنسان عن أجوبة وحلول في عوالم اللامحسوس واللامرئيّ وعلوم الغيب. وهذا تاريخ البشريّة يشهد على علاقة الإنسان بالكواكب وتحرّكاتها وتأثيراتها، ورغبته في معرفة المجهول الآتي لعلّه يتّقي شرّه، ولولا الخوف من الشرّ الكامن لما أراد أحد أن يقرأ طالعه. ولكنّ تاريخ الشعوب والحضارات يشهد أيضًا على أنّ هذه الأمور لا تنتشر وتتفاعل بين الناس إلاّ في أزمنة الحروب والأمراض والخيبة والفقر. وثمّة اتّجاه عند القيّمين على الأمور، أو في لاوعي الناس يدفعهم للجوء الجماعيّ إلى هذه الحلول الغيبيّة كنوع من المخدّر أو المنوّم يطمئن النفوس القلقة ويلهيها عن المتابعة والمساءلة والاعتراض على أساس أنّ هذه الأمور ليست في يد أحد وماذا يستطيع حكّامنا أن يفعلوا ما دامت النجوم قالت كلمتها الأخيرة؟
ونحن اليوم في أسفل دركات الانحطاط الفكريّ على المستوى الجماعيّ ويجب ألاّ نخدع أنفسنا بارتفاع الأبراج والأبنية ولا بانتشار وسائل الإعلام، ولأنّنا في هذا المستوى من التخلّف والجهل كان من الطبيعيّ أن تجد التوقّعات والرؤى أرضها الخصبة لتنمو وتنتشر كالفطريّات، ويصير لكلّ حزب عرّافه، ولكلّ محطّة فضائيّة منجمّتها، ولكلّ صحيفة أبراجها و"متسلّقو" هذه الأبراج الذين لا يرضون إلاّ أن يقرأوها بالخطّ العريض الواضح وإلاّ اتّصلوا بالمسؤولين عن الصحيفة واعترضوا.
كلّكم تذكرون العرّافات والعرّافين الذين ارتبطت أسماؤهم بأباطرة وملكات ورؤساء وزوجات رؤساء، وكلّكم تعرفون ارتباط أسماء شعراء وصحافيّين بأحزاب وقادة، ولكن أن يكون شعب بكامله وفي العلن تحت تأثير تنويم مغناطيسيّ اسمه "التوقّعات"، وألاّ يصدّق الناس إلاّ هذا الفلكيّ لأنّه يقول ما يقوله من خلال تلك الإذاعة أو هذه المحطّة التلفزيونيّة أو لأنّه مع ذلك الحزب وليس مع هذا، فهذا ما لن تسمعوه إلاّ في بلداننا.