الأبواب

من أنا

صورتي
الريحانيّة, بعبدا, Lebanon
صدر لي عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014) - مستشارة تربويّة في مدرسة الحكمة هاي سكول لشؤون قسم اللغة العربيّة.

الثلاثاء، 13 سبتمبر، 2016

من يوميّات الفيسبوك (13 أيلول 2016)


  2011
مي م الريحاني هو الاسم المستعار الذي كنت أوقّع مقالاتي به في البداية، وهذه المقالة بقلم الشاعر زاهي وهبي واحدة من الرسائل التي تبادلناها على صفحة "النهار" الثقافيّة في أمور بيروت والشعر والمسرح...
****     
بقلم زاهي وهبي صحيفة النهار – الثلاثاء 26 نيسان 1994

 من هي مي م. الريحاني؟ سؤال يلاحقني هذه الأيّام أنّى ذهبت وحللت.
وبعضهم يطرح السؤال بصيغة الشكّ والريبة. إذ كيف لا أعرف، يقولون لي، مَن لا تكتب ولا تظهر للعلن الثقافيّ إلاّ حين تكتب لي، ومن أين لها هذه الدراية بالمشهد الثقافيّ وأحواله الراهنة، كأنّها مقيمة في خضمّه، عارفة بما خلف كواليسه وبما يجري على الخشبة.
ومع ذلك لا أملك جوابًا عن علامات الاستفهام إلاّ بريد "النهار" في الطابق الثاني والرسائل التي تأتي مذيّلة بالتوقيع في الصفحة الثقافيّة مساجلة حيال هذا الشأن أو ذاك، وكلّما لامست الجرح أكثر أو ضربت على الوتر كبر سؤال بعضهم: مَن هي؟ ومن تكون؟ فكم أودّ سيّدتي لو أعرفك.
 *****
لست أقلّ غضبًا منك. لست أقلّ نقمة أيضًا. لكن لأعترف لك أوّلاً، بأنّ رسائلك، حتّى حين تخالفني الرأي، تشكّل لي حافزًا مهمًّا للكتابة، وذريعة لوجهة نظر في هذا أو ذاك من مشاهد الثقافة اليوميّة في بيروت الراهنة، وما أسمعه من آراء فيها، أي في رسائلك، من قرّائها الكثر، ستظنّينه نوعًا من المغالاة في المجاملة، لكن الأمر ليس كذلك وحسبك أنّ شوقي أبي شقرا يقول كلّ مرّة: إنّها تقرأ بذكاء وتكتب بذكاء. فكيف لا أفرح إذن، ولا أبتهج، حتّى حين لا نتّفق على توصيف مشهد أو على تفسير عبارة مثل تلك التي أثارت غضبك وحنقك (في مقالتي عن مسرحيّة فاميليا) فأخذت الأمر على غير هواه وزيّن لك تأويلك أنّني أكتب هكذا لأسباب لم تكن في بالي وحسباني. أليس أحوج ما نحن إليه الآن هو القراءة بذكاء والكتابة بذكاء؟
*****
أفهم غضبك سيّدتي. أفهمه وأوافقك. وأنطلق من رسالتك الأخيرة المحقّة في كلّ ما تضمّنته من ملاحظات على بعض مشاهد الثقافة، لاعتبر أنّ المأزق الحقيقيّ الذي تعيشه الثقافة في بيروت اليوم، يكمن في غياب الحوار وفي النرجسيّة المفرطة الطاغية على كلّ ما عداها وفي المداهنة والإخوانيّات. أتظنّين أنّ ثمّة كاتبًا أو كويتبًا يعترف بسواه؟ أتظنّين أنّ هناك من يضع الآخر في ذهنه بين كلّ الكتّاب والكتبة؟ إلاّ إذا كان وإيّاه من القبيلة الثقافيّة. يؤسفني أن أوافقك في كلّ ما تضمّنته رسالتك الأخيرة، وما فيها غيض من فيض الانتهاكات التي ترتكب باسم الثقافة وتقترف في حقّ الوجدان العامّ، أي في حقّ القرّاء والمشاهدين، أو في حقّ القلّة التي لا تزال تعتبر نفسها معنيّة بأحوال الثقافة وأحوال أهلها. ومن هم أهلها؟ هل تعتقدين سيّدتي أنّ عبّاس بيضون على خطأ إذ يقول: هذا كلام مقاه أو كلّه كلام مقاه! أنا لا أظنّه على خطأ وإن كنت لا أنفي عنه كونه واحدًا منّا (منّا جميعًا) من المساهمين في تحويل الثقافة أو على الأقلّ العلاقات الثقافيّة إلى كلام مقاهٍ، وكذلك مع الشعراء الشبّان الذين يظنّون أنّهم خاتمة الشعر ونهاية المطاف فلا يسمعون نقدًا ولا يردّون تحيّة. ولو شئت وصفًا للمرحلة أو للذهنيّة الثقافيّة الراهنة لقلت إنّها "ذهنيّة المقهى". وأظنّ أنّ المكتوب يقرأ من عنوانه فلا حاجة للاستطراد في شرح ماهيّة "ذهنيّة المقهى"، إنّها ببساطة كلّ ما أشرتِ إليه في رسالتك الأخيرة بدءًا بالفولكلور الذي رافق الاحتفاء بأمين معلوف وانتهاء باسكندر حبش. وهذا واقع مؤلم ومفجع لا ينفع معه أيّ دواء سوى الكيّ، وكم هم قلّة منبوذة من يجرؤون على الجهر بالحقيقة والإشارة إلى الخطأ. *****
الذي إصبعه في النار ليس كمن إصبعه في الماء. ولعلّك تجرؤين على تسمية الأشياء بأسمائها لأنّك بعيدة عن المقهى وعن ذهنيّته، وعساك تظلّين بعيدة كي لا يطولك رجس أو نجاسة. والمقهى، يا صديقة الكلمة، ليس مجرّد طاولة أو فنجان قهوة، إنّه آليّة تفكير وطريقة تصرّف وسلوك يوميّ ومقاربة للأشياء، وبدل أن تكون هذه الآليّة حضاريّة وإنسانيّة باعتبار المقهى أحد مظاهر العيش المدنيّ ومكانًا للالتقاء والتفاعل بين الناس، نجدها تتحوّل في صيغة المقهى الراهنة إلى آليّة جاهليّة وقبليّة تتحرّك وفقًا لصلات القربى والأرحام. وهذه القربى غالبًا ما تكون محكومة بعادات الثأر والانتقام. سبق لي أن أشرت تكرارًا إلى ظاهرة خطيرة تنتاب المدينة اليوم، وتسهم في تفكّك أوصالها وفي عدم قيام حوار حقيقيّ فيها. أذكر في زمن الحرب كان الآخر، أو وجوده، حاجة ماسّة وضرورة، كان موت ودمار ووحشة قاتلة وكان كلّ منّا يأنس بجاره أو بعابر الطريق، وكنّا نكتب ونقرأ ونبتهج بما نكتبه وبما نقرأه، كان كلّ منّا يتأكّد من وجوده على قيد الحياة، من قراءته لنصّ الآخر، لقصيدته، لمقاله، لتعليقه، لتحيّته في الصباح بعد ليل من القصف المجنون، وكان المقهى يجمعنا في الخوف والقلق والترقّب في انتظار ما بعد الحرب، مثلما كانت تجمعنا الكتابة في الحال ذاتها، وكانت تلك الحال مكانًا للأنس والإلفة ولنموّ مشاعر الودّ والصداقة بين الباقين على قيد المدينة بعد أن هجرها من هجر، وكان المقهى مظهرًا من مظاهر استمرار المدينة على قيد الحياة، وكذلك كانت الكتابة. ثمّ انتهت الحرب، وكان لا بدّ لها أن تنتهي، وجاء السلام أو شبّه لنا أنّه جاء، وبدأت المدينة تستعيد أوصاف حياتها المدنيّة، وبدأ كلّ منّا يبحث عن صورته في المرآة الجديدة، وتبدّلت أدوار واختلطت أوراق، وفي غمرة كلّ ذلك، كانت تتكشّف حقيقة بشعة فالحرب تركت صدوعًا وفجوات هائلة في الناس والأمكنة، والسلام بدا أكثر وحشة منها، والآخر الذي كان بالأمس ضرورة ومرآة، صار اليوم، نقيضًا وعدوًّا، إذ راح كلّ منّا يؤكّد وجوده بإلغاء الآخر، ونقل البعض أخلاقيّات المتاريس إلى المقهى والصفحات، ولست أبالغ إذا قلت إنّ ثمّة ما يشبه "حرب الإلغاء" الحقيقيّة التي تدور بين مَن حوّلوا الثقافة متاريس والكتابة إلى رصاص قاتل، بل أشدّ قتلاً من رصاص الحروب. وأكثر ما تتجلّى هذه الحرب في الصمت المشبوه وغياب الحوار واعتماد التجاهل موقفًا نقديًّا من الآخر وطغيان النرجسيّة على غالب الذين يعتبرون "مفاتيح" اللعبة الثقافيّة. ولو تقرأين جيّدًا بعض السجالات وبعض الكتابات النقديّة تعرفين كم أنّ النقد فقد ضميره، وكيف تنحدر الكتابة إلى دركها الأسفل على يد بعض مَن صنعوا مجدها وألقها وهذا أكثر استدعاء للألم والشفقة في آن.
*****
سيّدتي، في بيروت اليوم ظلم لا يطاق. ظلم، لا للمثقّفين، بل للثقافة نفسها. في بيروت اليوم مثل عمليّة تزوير، مرّة قوامها الصمت، ومرّة قوامها الكلام الموارب، ودائمًا قوامها فقدان النقد لضميره المهنيّ والأخلاقيّ، وغياب الحوار وعدم الاعتراف بالآخر وطغيان النرجسيّة. وأيّة فجيعة حين يتحوّل النقد إلى مكيدة والكتابة إلى كلام مقاه؟
*****
 أفهم غضبك وأقدره ولا أبحث له عن أعذار. وعساك تجدين أسبابًا للكتابة غير الغضب، فما تخشينه خطأ في بعض آرائك أجده عين الصواب، لكن ليس في اليد حيلة غير الرأي والموقف في وجه حاملي شعار: عين الصواب تبلى بالعمى! أو عسانا نصحو ذات يوم على غضب ساطع كما تشتهين. سيّدتي، ليس هذا ردًّا أو عتبًا، إنّه استكمال لحوار بدأ بيننا منذ عام وأكثر وأظنّه يطول.

*********************
2012

سألت المرأة المرآة: هل عشقي له خطيئة أم خطأ؟
أجابت المرآة: عشقك له خطوة نحو ذاتك!

***
لا يزعجني أن تسهر مع أصدقائك
يزعجني أن لا صديق لي سواك

***

قالت المرآة للمرأة: 
أنت أكثر النساء حكمة الآن، وإن لم تعودي أكثرهنّ جمالًا، 
لأنّك صرت تعرفين أنّ للنهايات جمالها كذلك!

 ***
الرجل الذي أكتب له وعنه لم يولد بعد
فما من امرأة مثلي تجرّأت وعشقت رجلًا مثله لينجبا رجلًا يشبهه

*********************
2013

من كتابي أحببتك فصرت الرسولة

همس لها:
"جسمُكِ صار جسمي

أضبط نظام حياتي على إيقاعه 
أحفظ تقلّبات مزاجه
أرصد دورات دمه ونبضاتِ قلبه
أسجّل مواعيد العناية به 
أحفظ أدقّ تفاصيله
أتنزّه على تعرّجات الدروب إلى مذبح الشهوة فيه 
أنتظر مواسم حرارة أعضائه وبرودة أطرافه ورطوبة جلده 
أحصي شعراته وشعيراته
أراقب تغيّرات لونه 
من زهريّ الخجل 
إلى أصفر الانفعال 
إلى تأجّج أحمر رغبته
ألاحق فراشاتٍ ملوّنةً في حقل ألغامه
أقطف ثمرتين عند إطلالتي عليه 
وثمرتين عند انحداري إلى منبسط سهله 
وثمرتين من غابة عذراء صغيرة فيها ساقية لا تنضب 
يسقسق ماؤها طربًا حين يخطر ظنّي على بالها
جسمكِ واحتي في صحراء الحياة
أرتمي على عشبها الغجريّ تعِبًا تائهًا 
وآكل من عسل فاكهتها وأمتصّ رحيق أزاهرها
قبل أن يناديني صوت الرحيل من جديد 
لأتابع تجوالي الدائريّ عائدًا إلى مشارف انتظارك
جسمُكِ الصغير سمائي الشاسعة 
أرسم عليها بأقلام الغيم مشاهدَ من عمري 
كانت تقودني إليك
يا امرأتي البعيدة القريبة
يا امرأتي الطفلة الحكيمة
تسلّلي إلى ماضي حياتي 
كي أعرفك منذ أن كوّنتُ جنينًا، أو فكرة، أو حلمًا
ورافقيني لأصير الرجل الذي أردتُ أن أكونه 
لو عرفتك قبل اليوم"
***
:تابعَ وهو يُغرق وجهَه في دفء عنقها
"
أنت امرأتي السريّة 
وأنا أميرك المغمور تحت ليل شعرك
أنت ملكتي الجميلة 
وأنا رأسك المرفوع تحت إكليل مجدك
أنت فتاتي الذكيّة 
وأنا رجلك المتدفّق في دم قلبك
مذ عرفتك ذاتَ حزن وخريف
وأنا أعشق انتظاري لك
وأرسم للّقاء بك ألف مشهد ومشهد
وحين نلتقي يتكوّن الفردوس الذي لا يجيد تكوينه إلّا فكرُ الآلهة
يا عروسي البيضاء ككأس حليب
يا دمعتي الكحليّة في مرآة عينيك
أغلقي جفنيك عليّ 
وأنقذيني من وقاحة العالم 
ضمّيني بين أهدابك كي لا أتيه 
أطبقي شفتيك على حزن كلماتي فتطربَ روحي
واعطيني جسدك ليصير جسدي الجديد 
أرتديه يوم الشعانين...
وأتباهى
كالطفل البكر
كالصبيّ الأوّل 
كالمسيح الذي يريد أن ينسى أنه سيصلب بعد أيّام"
***
ثمّ أخذَ وجهَها بين يديه 
وابتسمت شفتاه 
ودمعت عيناه 
:وقال
كيف لامرأة صغيرة مثلك أن تفعل كلّ ذلك؟
من علّمك أن تثوري كبركان 
وأن تنهمري رذاذًا كشتاء حنون؟
من علّمك الشعر والعشق والغضب والضحك والبكاء 
بالطريقة التي بها تقولين الشعر
وتمارسين الحبّ
وتتألّقين بالغضب
وتنفجرين بالضحك
وتتلألئين تحت خيوط دمعك الآسرة؟
من علّمك أن تكوني طفلةً في جسم امرأة
وامرأةً بين يدَيْ رجل
ورجلاً في فكر امرأة
وامرأةً في حلم طفلة؟
من علّمكِ كيف تحوّلين جسدي خبزًا ودمي خمرًا؟
من علّمك كيف تمسحين جراحي السبعة ببلسم شفتيك؟
من علّمك أن تكوني أنت؟
لا تخبريني
بل كوني السرّ الذي إن جاوز جسمينا شاع
"

صباح النور ماري.. شو بحب ه الكتاب "أحببتك... فصرت الرسولة!".

Marwan Zoghby Toujours ce beau livre d'Amour infini !

إن كان النسيم لا يحمل عطرك فلماذا يتجشّم عناء المرور؟

ليرتب موعدا لمرور طويل الدفء ..

 ***

سهرة ليلة السبت:
يأكلني بعينيه...
ألتهمه بنظراتي...
مطعم آخر طردنا 
لأنّنا سخرنا من لائحة الأصناف عنده
فعدنا إلى البيت لنكمل العشاء...
بعدك بعينيي وبعد ما تبت
مهما ياروحي عن زماني غبت
كيف بدّك هالقلب يقسى

ومعقول فكرك عالبعد أنسى
سنين الصبا وجنون ليلة سبت
*************************
2014

ليلة عيد الصليب:
لا تحتاج الطائفة المارونيّة بعدما جُلِدت وعُذّبت ومُسمرت وكلّلت بالشوك - وقبل الطعنة في خاصرتها - سوى أمور بسيطة، جدًّا بسيطة:
- بطريرك يعرف ماذا يريد
- رئيس جمهوريّة يجرؤ على مواجهة الموت
- قائد جيش لا يحاربه أهل وطنه
- زعيم سياسيّ لم تتلوّث يداه بالدم ولم يتشوّه تاريخه بالعلاقة مع إسرائيل
- رجل أعمال هوايته شراء الأراضي ولكن لغير السمسرة
- شاعر يؤمن بلبنان الكلمة والحريّة والجمال
- صحافيّ لا يبيع كلمتَه برحلة سياحيّة 
- طبيب يصدّق قَسَمه
- محامٍ يعرف تاريخ بيروت
- معلّم يربّي كلّ من سبق ذكرهم

احبك ...لانك تاريخي وجغرافيتي

يسعد مساكي ( بيسألوني ليش بعشق جرأتك وكلماتك ) هل يجوز السؤال ....

*********************
2015

صلاة الأحد:
Forgive me lord:
When i am with you i think about her...
When i am with her i don't think at all....
( مترجم عن صفحة الصديقة Marie Kossaifi)


 2016

"للجبل عندنا خمسة فصول"... استرجاع سرديّ أم تبصّر رؤيويّ؟؟!! 
بقلم باتريك رزق الله 
هل انتهَتِ الحربُ اللبنانيّةُ بفصولها الدمويّة؟ هل عاد المسيحيّون فعلاً إلى الجبل؟ هل أصبحْنا مواطنين نمارسُ مواطنّيتَنا بحضارةٍ ورقيّ؟ هل انتقلنا من المنطق العشائريّ إلى منطق الدّولة؟ عن هذه الأسئلة حاولَتْ ماري القصّيفي الإجابةَ في روايتِها الجديدة "للجبل عندنا خمسة فصول" التي استرجعَتْ فيها مشاهدَ وأحداثًا من حربِ الجبل. 
الأسبابُ المحليّةُ والإقليميّةُ للحربِ، كما فصولُها السّياسيّةُ، غابَتْ عن الرّواية. لكنّ تبعاتِها الآنيّةَ حضرَتْ بقوّة وعلى نحوٍ ممنهج ومدروسٍ في تعليقات الرّاوية سلوى أبو مرعي عن أحداثِ الزّمنِ الحاضر. إنّه الزّمنُ المتسلسلُ والمتواصل. دائرةٌ من فراغٍ مصيريّ، أو قلْ كابوسًا موحشًا يعيشه اللبنانيّون في يوميّاتِهم. 
إنّ الرّوايةَ بأبعادِها الحضاريّةِ والاجتماعيّةِ والثقافيّة، تطرح إشكاليّاتٍ مصيريّةً عديدةً عن الواقعِ الحالي والمستقبل. وهذا ما يجعلنا نسأل: أهي استرجاعٌ سرديٌّ واستحضارٌ لأحداثٍ حصلَتْ في الماضي، أم تبصّرٌ رؤيويٌّ لأحداثٍ ستحصلُ في المستقبل؟ لا أعتقدُ أنّ ماري القصّيفي توخَّتْ حفظَ الذّاكرةِ الدّمويّة لتلك الحربِ المشؤومةِ في الرّواية. أو أنّ لديها ثأرًا مع طرفٍ شاركَ في الحربِ أو مع آخر، فتجرّأتْ على ذلك في الرّواية. لا أعتقدُ ذلك على الإطلاق. لكنّني على يقينٍ أنّ لديها ثأرًا مع الحاضرِ مستمدًّا من الماضي. هو ثأرٌ مع اللادولة، واللاقيم، واللاحضارة. وأنا على يقينٍ أيضًا أنّ لديها حقدًا عميقًا على الذّاتِ العامّة، واللاإنسانيّةِ في لبنان. فالوحشيّةُ في روايتِها سلوكٌ مجتمعيٌّ عام. كذلك الكراهيّة. والحربُ عندها ليسَتْ نزاعًا واضحَ المعالمِ والأسباب. إنّها ميلٌ فطريٌّ إلى القتل، واعتداءٌ دائمٌ على الكرامةِ البشريّة، بقدريّةٍ أبديّةٍ غارقةٍ في اللونِ الأحمر، لونِ الدم. 
يبدو لي في الرّوايةِ أنّ الموتَ حكمٌ جماعيٌّ سرمديٌّ في لبنان بأوجهٍ مختلفة. هو الموتُ النّفسيّ. والموتُ المعنويّ. والموتُ الجسديّ. موتُ الحجر، وموتُ البشر، وموتُ الأحلام. هو الموتُ يكادُ يتسلّلُ إليك مرّاتٍ كثيرةً من مشاهدِ الرّواية، يستحضرُهُ حشد هائلٌ من المفرداتِ الموحشةِ والقاتلة. فتشعرُ بالاختناق، وطبعًا بالخوفِ والتمرّد. إنّها نتيجةُ البراعةِ في السّرد، والدقّةِ في رسمِ مشهديّةٍ واقعيّةٍ أليمة. 
من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضرِ إلى الماضي، نجحَتْ ماري القصّيفي في السّير بالقارئ بين أروقةِ الزّمن في اندماجٍ وصفيٍّ كليّ، بين الدّاخل والخارج، بين الأماكن والشخصيّات. ولبنان الأمس عندها كما لبنان اليوم، بلا أفقٍ، بلا مستقبل. أمّا الفرد، فعلى الدّوام، بلا مشروع، وبلا هُويّة. يخاصمُ، يقاتلُ، يعقدُ الصُّلحَ، ويسامح. كيف؟ ولماذا؟ لا جواب. كيف بدأتِ الحرب؟ وكيف انتهَتْ؟ لا جواب. 
"للجبل عندنا خمسة فصول" قبضٌ على حربِ الجبلِ في ذكراها الثّلاثين. إنّها جدلٌ غيرُ مباشِرٍ مع الذّات. أرادتْهُ الكاتبةُ حوارًا واعيًا وصريحًا، يستلهمُ منه القارئُ أفكارَهُ النّقديّة. فلا تكادُ تنتهي من القراءةِ حتّى تنطلقَ في رحلتِكَ التأمليّة عن ال"أنا" الفرد، والـ"هو" الوطن. تطرحُ الأسئلةَ وتعجزُ عن فكِّ الجواب.

ليست هناك تعليقات: